انطلقت أزمة السودان المتجددة من جذور عميقة تعود إلى حقبة التعايشي – قبل قيام الدولة السودانية الحديثة – التي شهدت استغلالًا مفرطًا للسلطة، وابتزازًا ممنهجًا للدولة عبر الميليشيات المسلحة، ما أدى إلى زعزعة الاستقرار وتفكك النسيج الوطني. في عهد حميدتي، عادت هذه التجربة لتُعاد بحذافيرها، إذ نجح في ترسيخ نفوذه العسكري والسياسي من خلال أدوات مشابهة: ابتزاز الدولة، التحكم في مؤسساتها، واستثمار الصراعات الداخلية لتوسيع سلطته. ومع تصاعد الأزمة، يبدو أن المشهد يتكرر مع قيادات مثل مني أوي وجبريل إبراهيم، اللذين يعتمدان على ذات الأساليب — ابتزاز الدولة، تهديد السلم الاجتماعي، وفرض أجندات مسلحة — ما يعيد السودان إلى نقطة البداية ذاتها، متجهًا نحو دائرة مفرغة من التوتر والاقتتال. هذه الدائرة لم تُكسر بعد، وإذا استمرت البلاد في هذه اللعبة، فإن مستقبل السودان سيظل مرهونًا بصراعات تُعيد إنتاج أزماته، وتخنق فرص السلام والاستقرار.
سقوط نظام الإنقاذ في السودان كان لحظة تاريخية فارقة، لكنها لم تأتِ مصحوبة بخطة واضحة أو قيادة موحدة. دخلت البلاد و الدولة السودانية في مرحلة انتقالية مضطربة، تسودها الخلافات السياسية وغياب التوافق الوطني، بينما ظل العسكريون ممسكين بزمام السلطة، يشكلون نقطة التوازن الوحيدة – أو هكذا بدا.
في هذا المشهد المرتبك، تحولت الدولة إلى ساحة تنافس مفتوح بين قوى محلية وأطراف إقليمية. ومع تضخم التكتلات السياسية وتعدد الأجندات، أصبح الطموح نحو السلطة هو المحرك الأساسي، لا مصلحة الوطن. ولم يعد المقعد الثاني مقبولًا لمن يمتلك ما يؤهله لانتزاع الأول.
إشارات الخطر قبل الانفجار
قبيل اندلاع الحرب على الدولة، كانت التحذيرات تلوح في الأفق: خطاب سياسي متوتر، تجاوزات غير مسبوقة في الخطاب العام، وتصريحات علنية تُشكك في القيادة العسكرية وتهدد الحكومة دون تحفظ. في لحظة فارقة، بدأ الدعم السريع في تعزيز قدراته ميدانيًا، وحشد قواته بأسلوب استعراضي، مدججًا بالسلاح والآليات الثقيلة وسط المدن، دون أي محاولة للتمويه أو ضبط النفس.
الأخطر من ذلك، كان الخطاب السياسي لبعض القوى الداعمة للتمرد، التي اختارت بوضوح الاصطفاف إلى جانب التصعيد، بل رفعت شعارًا صادمًا: “الإطاري أو الحرب”. هؤلاء أنفسهم يتصدرون اليوم المشهد تحت لافتة “لا للحرب”، في انعطافة تكشف بوضوح ازدواجية الخطاب واستغلال الشعارات بحسب المرحلة.
حربٌ لم تغب شمسها عن الدولة
اندلعت الحرب في صباح سبت مشؤوم، وسط ذهول شعبي واسع، لكنها لم تكن مفاجئة للمتابعين. كل المؤشرات كانت تشير إلى اقتراب لحظة الانفجار، غير أن الدولة اختارت التجاهل، والتقليل من حجم التهديد، بل وربما المراهنة على احتوائه لاحقًا. لكن الحرب، حين تندلع، لا تمنح فرصة لتعديل الحسابات.
ومنذ ذلك اليوم، لم تغب شمس الحرب عن السودان. آلاف القتلى والنازحين، انهيار اقتصادي، تفكك مجتمعي، ونزيف مستمر في بنية الدولة. ومع ذلك، ما تزال السياسات تُدار بنفس الذهنية التي سبقت الانفجار.
التكرار بوهم النتائج المختلفة
حين نُسقط أحداث الأمس على واقع اليوم، نشعر أننا أمام إعادة إنتاج لذات السيناريو، بنَفَس جديد. في علم النفس الإداري، يُعرف هذا السلوك بـ”وهم التكرار مع توقّع نتائج مختلفة”، وهو جوهر ما وصفه أينشتاين باللاعقلانية. حين تتكرر الظروف، وتُعاد الإجراءات نفسها التي أثبتت فشلها مسبقًا، فنحن أمام أحد احتمالين لا ثالث لهما: إما أن أصحاب القرار لم يستوعبوا الدرس، أو أنهم يستبطنون إعادة إنتاج ذات النتائج، بشكل متعمد، لأهداف تتعلق بمراكز النفوذ، أو إعادة ترتيب المشهد لصالحهم. وفي الحالتين، الشعب هو الخاسر الأكبر.
من الإنكار إلى التجاهل ثم الفشل
المؤشرات الحالية لا تبشر بتغيير حقيقي. فالدولة، كما بالأمس، تمارس سياسة التغافل والتجاهل. لا مواجهة جادة للأزمات، لا حوار سياسي جامع، ولا مشروع وطني واضح. الأزمة تتسع، والتعقيد يتعمق، بينما تتكرر أدوات المعالجة، بنفس البطء والتردد. في كل مرة، تُمنَح الأولوية للحسابات الضيقة، ويُؤجل الاعتراف بالخطر حتى يتحول إلى كارثة. ثم تبدأ التصريحات، والوعود، و”اللجان”، لكن دون علاج جذري.
هل نتهيأ لجولة جديدة من الموت في الدولة السودانية؟
ما يُحزن حقًا أن الضحايا لا يتغيرون. ففي كل نسخة من هذا التكرار المؤلم، يسقط الأبرياء، ويُهجر المدنيون، وتُهدر فرص الاستقرار. من حرب 2008، إلى تجارب التهجير إبان “جهادية التعيشي“، إلى حرب 15 أبريل… الدم هو ذاته، والمآسي تتكرر، وكأنّ الوطن محكوم بدائرة لا فكاك منها. إذا استمرت الدولة في تبني نفس النهج، فليس من المستبعد أن نشهد انفجارًا جديدًا. المسار واضح، والمؤشرات تتكرر: تجاهل للمخاطر، تهميش للحلول الجادة، وتراكم في الاحتقان السياسي والاجتماعي.
فهل نحن – خاصة في الشمال – على أعتاب نزوح جديد؟ هل نُعيد مشهد الموت والتشريد؟ أم آن أوان وقفة حقيقية، تعيد تقييم المسار، وتكسر عجلة التكرار القاتل؟ ختاما، التاريخ يعيد نفسه حين لا نتعلم منه. واليوم، نحن بحاجة إلى يقظة شاملة تعترف بالأخطاء واعادة تقييم تكوين الدولة السودانية، وتواجه الواقع بشجاعة، وتبحث عن حلول تستند إلى المصلحة الوطنية، لا إلى المصالح الفئوية. وإلا فإننا لا نبتعد كثيرًا عن فجر كارثة جديدة… وربما أسوأ.
اقرأ ايضا: الحركة الإسلامية وانفصال دارفور: القبول الضمني والمخاوف المعلنة


