على الرغم من أن الخطاب السياسي المعلن للحركة الإسلامية السودانية لا يُظهر تأييدًا لانفصال إقليم دارفور، فإن المتابع المتعمق لمواقفها وسلوكها السياسي قد يلحظ تباينًا واضحًا بين ما يُقال وما يُراد فعليًا. فالحركة الإسلامية، التي قادت السلطة في السودان لعقود طويلة، لا تُبدي موقفًا مبدئيًا صلبًا أو حاسمًا ضد انفصال الإقليم، لكنها في المقابل تبدي تخوفًا ملموسًا من تحمّل التبعات السياسية والرمزية التي قد تترتب على هذا الانفصال، سواء داخليًا أو على الصعيد الدولي.
قبول ضمني أم تفادٍ للمسؤولية؟
من الناحية النظرية، قد لا ترى الحركة الإسلامية في انفصال دارفور تهديدًا استراتيجيًا حتميًا، بل قد تعتبره مخرجًا واقعيًا لصراع دموي طال أمده وأرهق الدولة السودانية على المستويات كافة. فدارفور، منذ اندلاع التمرد المسلح فيها مطلع الألفية، مثّلت عبئًا أمنيًا واقتصاديًا وسياسيًا هائلًا، واستنزفت من موارد الدولة ما جعل الكثيرين داخل التيار الإسلامي يطرحون – همسًا أو تصريحًا – أسئلة جدية حول جدوى التمسك بالإقليم بأي ثمن.
في هذا السياق، تبدو بعض الأصوات داخل الحركة الإسلامية أكثر واقعية من أيديولوجية، وهي ترى أن انفصال دارفور، رغم مرارته الرمزية، قد يخفف من الضغوط الداخلية ويُخرج السودان من نفق أزمة مزمنة. بل إن هناك من يذهب أبعد من ذلك، معتبرًا أن الدولة السودانية بحاجة إلى إعادة تعريف ذاتها وحدودها، وأنها لم تعد قادرة على حمل هذا الإرث التاريخي من التعدد الجغرافي والسكاني الهائل دون إعادة هيكلة جذرية.
هاجس التبعات السياسية
ومع ذلك، فإن الحركة تتحرك في هذا الملف بحذر بالغ، مدفوعة بهاجس سياسي عميق يرتبط بتجربة انفصال جنوب السودان عام 2011، حين وُصِمت – ولا تزال – بأنها الطرف المسؤول عن التفريط في وحدة البلاد. هذا الجرح لم يلتئم بعد، سواء داخل صفوف الحركة أو في ذاكرة الرأي العام السوداني.
الخشية الأكبر لدى الإسلاميين ليست من الانفصال في حد ذاته، وإنما من تبعاته السياسية والإعلامية. فأن يُسجَّل في التاريخ أن الحركة تسببت في ذهاب إقليم ثانٍ بعد الجنوب، سيشكل لطخة أخرى على مشروعها السياسي، وربما يضع حدًا لطموحاتها المستقبلية في العودة إلى المشهد بفعالية. إنها تدرك تمامًا أن “لعنة الجنوب” لا تزال تلاحقها، وتخشى من أن تتحول “عقدة دارفور” إلى فصل جديد من الاتهامات بالفشل والتفريط في وحدة التراب الوطني.
ضغط داخلي وخارجي مزدوج
داخليًا، تدرك الحركة أن أي خطوة أو حتى إيحاء بقبولها لانفصال دارفور، قد يُعيد فتح باب اللوم الشعبي عليها. السودانيون لم ينسوا بعد وعود “الوحدة الجاذبة” التي رُوِّج لها قبيل استفتاء الجنوب، والتي تحوّلت إلى سراب بفعل السياسات الصدامية، والانغلاق الأيديولوجي، والعزلة الدولية التي طبعت فترة حكم الإسلاميين. بالتالي، فإن تكرار سيناريو مشابه – ولو تحت مبررات مختلفة – سيكون له وقع سياسي ومعنوي بالغ السلبية على الحركة وقادتها.
أما خارجيًا، فإن تتابع حالات الانفصال من السودان سيُقدَّم في المحافل الدولية كدليل قاطع على فشل المشروع السياسي الذي تبنّته الحركة الإسلامية لعقود. وسيجد خصومها في الإقليم والعالم الغربي مادة خصبة للطعن في رؤيتها للدولة والمواطنة والتعدد. فمشروع “التمكين”، الذي رُوّج له كصيغة إسلامية للحكم الرشيد، بات يُقرأ – من زاوية انفصال الجنوب وربما لاحقًا دارفور – كمشروع استبعادي لم يُحسن إدارة التنوع السوداني الهائل.
عقدة الجنوب.. والظل الثقيل
تبدو تجربة انفصال الجنوب بمثابة ظل ثقيل لا يفارق الحركة الإسلامية. لقد رسّخت تلك التجربة في الوعي السوداني صورة مفادها أن الحركة هي من فرّطت في وحدة السودان، سواء عبر سياساتها الخاطئة أو عبر تعنتها في إدارة ملف التفاوض مع الحركة الشعبية. ومنذ ذلك الحين، أصبحت “تهمة التفريط” سيفًا مسلطًا على رقبة الإسلاميين في كل نقاش وطني حول مستقبل البلاد.
إن الحديث عن انفصال دارفور، ولو جاء من قوى محلية أو دولية لا علاقة مباشرة للحركة بها، سيُربط تلقائيًا بتراث الإسلاميين في الحكم، ما يضعهم في موقع المتهم مرة أخرى، حتى لو كانوا في موقع المعارضة أو العزلة السياسية.
تكتيك “الرفض المعلن والقبول الضمني”
أمام هذا الواقع المعقد، تلجأ الحركة إلى تكتيك مزدوج يبدو مدروسًا: فهي تُظهر رفضها العلني القاطع لأي حديث عن الانفصال، وتتمسك بخطاب وطني تقليدي يرفع شعار “وحدة السودان أرضًا وشعبًا”. وفي الوقت نفسه، تراقب التطورات على الأرض بصمت، وربما لا تمانع ضمنيًا في أن يتحقق الانفصال إذا جاء عبر قنوات لا تتحمل هي مسؤوليتها المباشرة.
بهذا التوجه، تحاول الحركة أن تنجو سياسيًا من أي تبعات، وأن تُبقي لنفسها هامشًا للحركة في المشهد السوداني المتقلب. إنها تراهن على عامل الزمن، وعلى إمكانية تحميل أطراف أخرى – سواء في الحكومة أو الحركات المسلحة – مسؤولية أي انفصال قادم، لتظل هي في موقع “الناقد” لا “الفاعل”.
خاتمة
انفصال دارفور – إن وقع – لن يكون مجرد حدث إداري أو تطور جغرافي؛ بل سيمثل اختبارًا سياسيًا وأخلاقيًا عميقًا لمواقف القوى السودانية، وعلى رأسها الحركة الإسلامية. فبين موروث التاريخ المأزوم، وضغوط الحاضر المتعثر، تجد الحركة نفسها في مفترق طرق: إما أن تعيد تعريف رؤيتها للوطن والمواطنة، أو أن تواصل لعبة التملّص والتبرؤ في مواجهة واقع يتغير بسرعة، وشعب يبحث عن إجابات واضحة بعد عقود من الأزمات والانقسامات.


