Site icon الديوان

الدولة التي تأكل مواطنيها : الضرائب تطارد من أفقرهم الجنجويد

الضرائب في السودان

الضرائب في السودان

في ظل الانهيار الاقتصادي المتسارع، لم تجد الحكومة السودانية “حكومة الأمل”، حلًا سوى اللجوء إلى الضرائب كوسيلة وحيدة للبقاء. لا إصلاح إداري، لا سياسات إنتاج، لا تحفيز للاستثمار، بل فقط جبايات منهكة، تنفذ مباشرة إلى ما تبقى من جيوب المواطنين.

من فواتير الكهرباء والماء والاتصالات، إلى الوقود والخبز والدواء، باتت الضرائب تزحف على كل شيء. وزارة المالية، بقيادة جبريل إبراهيم، تحوّلت إلى مؤسسة جباية لا تعرف من المواطن إلا رقمه الضريبي، بينما تتجاهل تمامًا فقره وحقوقه الأساسية في العيش الكريم.

إفقار فقر من نوع مختلف

في الشمال والوسط والشرق، لا يموت الناس من قلة الغذاء بل من عجزهم عن شرائه. الأسعار تتضاعف، والرواتب راكدة، والخدمات تنهار. لا مساعدات دولية، ولا تهريب سلع، ولا منافذ للتهرب من الضرائب كما تفعل الأقاليم الخارجة عن سيطرة الدولة. المواطن هناك يواجه قدره منفردًا، بلا حماية ولا تمثيل حقيقي.

من يحكم السودان اليوم ليسوا رجال دولة، بل تحالف متشابك بين جنرالات ومليشيات قبلية وعنصرية، همّهم الأول ضمان استمرار التدفق المالي عبر نظام ضرائبي قمعي، يموّل جيوش المستشارين والإعلاميين والطبّالين، تحت غطاء سلطوي يتغذى على ضعف مؤسسات الدولة وتفكك الاقتصاد.

دارفور وجنوب كردفان خارج الإيرادات… داخل المصروفات

منذ أكثر من عامين، خرجت دارفور وجنوب كردفان من دائرة الإيرادات العامة للدولة. لا ضرائب تُجبى هناك، ولا رقابة مالية أو مؤسسية، بينما تُضخّ إليهما مليارات الجنيهات تحت ذريعة “الاستقرار والخدمات”. المفارقة أن المواطن في الشمال والشرق والوسط هو من يتحمل عبء هذه المصروفات، رغم أنه نفسه لا يتلقى الحد الأدنى من الخدمات أو الدعم.
إنها عدالة معكوسة: مناطق تموّلها الدولة بلا مقابل، وأخرى تُستنزف ضرائبيًا دون أدنى اعتبار لحقها في التنمية.

دارفور، كردفان، والنيل الأزرق تحولت إلى مناطق نفوذ للمليشيات، تدار بمنطق الحرب والتهريب، بلا مساهمة في ميزانية الدولة. هذه المناطق تعتمد على الدعم الخارجي والنهب الداخلي، في حين يُثقل العبء الضريبي على ولايات الشمال والشرق والوسط، التي ظلت تدفع ثمن ولائها وصبرها الوطني.

الضرائب كأداة تهجير ناعم

بعد أن استنزفت مليشيات الدعم السريع (الجنجويد) الذهب، والنفط، ومدخرات الناس، جاء الدور على قوت المواطن. تُستخدم الضرائب اليوم كسلاح لإفراغ المدن والقرى من سكانها، عبر التجويع، وتدهور التعليم، وتدمير البنية التحتية. لم يعد التهجير قسريًا بالمفهوم التقليدي، بل يتم عبر تفريغ الحياة من أبسط مقوماتها.

ما تبقى من خصوصيات المواطن السوداني صار عرضة للاختراق. الضرائب وصلت إلى رسوم المدارس، وأبسط الحرف، بل حتى حرية الرأي تُعاقب بضرائب غير مباشرة، من خلال التضييق، والملاحقة عبر ما يسمى بالخلايا الأمنية. إنها دولة لا تكتفي بسرقة الذهب، بل تريد ما تحت الجلد.

السودان بلد غني بموارده، لكن فاشل في إدارتها. فشل يعود إلى سلطة مهووسة بالجباية لا بالبناء، تستعمل الضرائب كحل سهل لتغطية فسادها وعجزها، بينما تعجز عن إنتاج الحلول الحقيقية. الحركات المسلحة لا تقل جشعًا، فهي تقاتل من أجل نصيبها من الكعكة، لا من أجل الناس.

ضحايا الضرائب: أهل الشمال والشرق والوسط

في هذه المعادلة الظالمة، يدفع المواطن في الشمال والوسط والشرق الثمن مرتين: مرة بفقدان الأمن والخدمات، ومرة بدفع الضرائب لسلطة لا تمثّله ولا تحميه. لقد أصبح هؤلاء المواطنون مجرد ممولين لفساد عسكري ـ مليشياوي، يُقصيهم عن السلطة، ويستهدفهم في رزقهم وأمنهم وكرامتهم.

ختاما .. ما يحدث في السودان يتجاوز الأزمات المالية، ليمس جوهر العلاقة بين الدولة ومواطنيها. لم تعد الضرائب وسيلة لتنمية وطن، بل أداة لقمع المواطن وتجريده من كرامته. الدولة تنهب، والمليشيات تحكم، والمواطن يُستنزف في معركة لا طرف له فيها سوى الألم.

اقرأ ايضا: نقض دعاوى “الإبادة الجماعية” في دارفور: تفكيك الرواية الأحادية

Exit mobile version