(قراءة في خطاب “المركزية الإفريقية” عبر نظرية المركز والهامش وخيار الانفصال)
في أزمنة القلق الوجود
تعيد الشعوب النظر في هوياتها، وغالبًا ما يُطرح هذا السؤال ـ القديم المتجدد ـ في لحظات الانكسار لا في ذروة البناء.
في السودان، تُطرح الهوية الآن من جديد، لا بوصفها سؤالًا للمعرفة، بل كأداة للتموقع السياسي، حيث يعلو صوت تيار يُعرف اختصارًا بـ”المركزية الإفريقية”، يرفض كل ما هو عربي أو إسلامي، لا كرفضٍ معرفي مدروس، بل كتمرّدٍ وجدانيٍ غير متماسك، يتوسل الإنكار وسيلة لإثبات الذات.
المركز والهامش: انقلاب الخطاب
لكن هذا السجال لا يمكن فصله عن نظرية المركز والهامش، التي لطالما استُخدمت لتشريح علاقات التسلط داخل الدولة.
غير أن المفارقة في السياق السوداني أن الهامش نفسه بدأ يمارس ما كان ينتقده: خطاب إقصاء عكسي، لا يستهدف السلطة هذه المرة، بل يستهدف مكوّنًا ثقافيًا وإثنيًا بأكمله ـ الإسلام والعروبة ـ ويُصوّره كعدو داخلي يجب نفيه، أو محاكمته.
من ضحية التهميش إلى حامل راية الإقصاء
لقد تحولت مفردات التحرر من المركز إلى أداة لإعادة تعريف السودان على أسس إثنية صرفة والهوية، بحيث يصبح العربي دخيلًا، والمسلم متَّهَمًا، والتاريخ موضع شبهة. إنها محاولة لإزاحة الإسلام والعروبة عن المشهد الوطني، ليس من أجل التوازن، بل من أجل الهيمنة الرمزية الجديدة. لكن ما يُفترض أنه تفكيك لمركز متسلط، ينقلب إلى خطاب كراهية جماعي، يُحاكم الناس على أنسابهم، ويختزل تاريخهم في رواية استعمارية مختلقة، وينزع عنهم شرعية الانتماء لمجرد أنهم لا ينتمون إلى الهامش الثائر.
العروبة في السودان: عرقٌ لا يُمحى و الهوية لا تُلغى
العروبة في السودان ليست مجرد لسان أو ثقافة، بل انتماء عرقي راسخ، يحمل معه سلاسل النسب، ووشائج القبيلة، وامتدادات الجغرافيا، وذاكرة البداوة والاستقرار. الجعليون، الشايقية، الكواهلة، البطاحين، الرشايدة، الجوامعة، وغيرهم، ليسوا متأثرين بالعروبة، بل ينحدرون منها مباشرة عبر أجيال من التوارث والانتماء الصريح. إن تجاهل هذا الامتداد العرقي ليس فقط جهلًا بالتاريخ، بل نفيٌ لوجود بشري ملموس يسكن الأرض، ويعرف نسبه، ويعتز بدمه كما يعتز بثقافته.
مزاعم التتريك والشركسة: سرديات إنكار لا تصمد أمام التاريخ
من اللافت في هذا الخطاب الإقصائي أن بعض مناهضيه لا يكتفون بإنكار الهوية العروبية ، بل يسعون لتزييف أصولها، عبر اختزال كل العرب في السودان إلى مخلفات “الأتراك”، أو تصنيفهم كـ”أرناؤوط” و”شركس” و”مماليك”، وكأنهم وافدون طارئون لا يربطهم بالأرض نسب ولا تاريخ.
لكن هذه المزاعم تكشف عن جهل مزدوج: أولًا، بالتاريخ الحقيقي للهجرات العربية التي سبقت العثمانيين بقرون طويلة، وتمددت في السودان منذ الدولة الإسلامية الأولى. وثانيًا، بطبيعة التمازج الاجتماعي الذي يجعل من ادعاء “النقاء” الإثني أمرًا مستحيلًا في كل المجتمعات، فكيف إذا كنا نتحدث عن السودان، بلد التمازج العرقي والثقافي بامتياز؟
السودان بين خطاب الانتماء وخطاب النفي
الهوية لا تُبنى بالنفي. ومن يرفض الاعتراف بوجودك، إنما يدفعك دفعًا نحو خيارات بديلة تحفظ لك كرامتك وإنسانيتك.
إن السودانيين من أبناء مناطق النهر لا يطالبون بالتفوق، بل بالاعتراف. لكن حين يتحول وجودهم نفسه إلى “مشكلة” في الخطاب السائد، فإن السؤال الأخلاقي والسياسي يُصبح: لماذا نبقى؟ ولأجل مَن؟ وتحت أي سقف؟
تحوّل الهامش إلى مركز استئصالي
لقد تحوّل الهامش السياسي إلى مركز ثقافي استئصالي، لا يطالب بالعدالة، بل بالانتقام. من يرفض العروبة اليوم، سيرفض أهلها غدًا. ومن يهاجم الإسلام، سيهاجم رموزه، ومساجده، ومناهجه. ومن يصادر لسانك، سيصادر مستقبلك. ولهذا، فإن الوحدة الوطنية لا تعود خيارًا حكيمًا حين تصبح قائمة على كراهية موجهة ضدك، أو على اتهامك بأنك استعمار في وطنك.
حينها، يصبح الانفصال السياسي ـ لا بوصفه نكوصًا، بل بوصفه مخرجًا عقلانيًا ـ هو الخيار الأكثر إنصافًا وأمانًا لأبناء النهر.
صراع الهوية في السودان: الجنجويد ومنافسة الشماليين على تمثيل العروبة
في عمق الصراع السوداني، تبرز معضلة الهوية كعاملٍ غير معلن في المواجهة بين مليشيا “الجنجويد” وأبناء شمال ووسط السودان. فأحد أهم دوافع الحقد الدفين الذي يحمله بعض أبناء عرب دارفور تجاه الشماليين لا يعود فقط إلى التهميش السياسي أو الاقتصادي، بل إلى التنافس الحاد على تمثيل العروبة نفسها. يسعى هؤلاء، وفي مقدمتهم قادة “الدعم السريع”، إلى مصادرة الهوية العروبية، واحتكار تمثيلها أمام الخليج والدول العربية، بادّعاء أنهم العرب الحقيقيون في السودان، وأنهم ضحايا استهداف دفعهم لحمل السلاح. هذا السرد، وإن بدا مظلومًا على السطح، يخفي خلفه رغبة في إقصاء الشماليين من رمزية العروبة، وفرض سردية بديلة تُعيد تشكيل الانتماء القومي لصالحهم.
ولعل أكثر ما يفضح هذا التنافس الرمزي هو محاولات محمد حمدان دقلو (حميدتي) وشقيقه لتقمص صورة العربي التقليدي عبر ارتداء العمامة البيضاء والجلابية و”العباءة”، في استعراض مقصود أمام الإعلام العربي، رغم أن هذا الزي لا يمتّ بصلة إلى الموروث الثقافي الدارفوري المحلي. إنهم لا يرتدون العمامة كتعبير عن تقاليدهم، بل كوسيلة لخلق انطباع خارجي بأنهم أهل العروبة الأصيلون، في مقابل تشويه صورة الشماليين وربطهم بالنخب الفاسدة أو المهيمنة. هذا الانتحال الرمزي يهدف لا فقط إلى كسب شرعية عربية، بل إلى سحب البساط من تحت أبناء القبائل النيلية ذات الانتماء العروبي الراسخ، وتحويل العروبة إلى أداة دعائية تُستخدم وقت الحاجة، وتُخلع عندما تنتهي المصلحة.
وفي خضم هذا الصراع الرمزي حول الهوية، تبرز معضلة خطيرة لا تقل فتكًا: أن يُترك خطاب العروبة في السودان فارغًا أو مختطَفًا من قِبل مليشيا كـ”الدعم السريع”، فتُقدَّم هذه الجماعة المسلحة ـ بكل ما تمثله من عنف وفوضى ـ على أنها صورة العربي في السودان. إن اختزال العروبة في مليشيا تنتهك القيم وتقتل باسمها، لا يُسيء إلى المليشيا فحسب، بل يُدمِّر صورة العروبة في وجدان العالم العربي، ويُربك مواقف الشعوب والدول التي ربما كانت ستتضامن معنا لو أننا نطقنا باسمنا قبل أن يَنطق غيرنا زيفًا باسمنا.
صوت العروبة النزيه: واجب أخلاقي وسياسي
نحن، أبناء الهوية العربية التاريخيين، مسؤولون عن تمثيل هويتنا قبل أن يُمثِّلها مَن لا يُجيد إلا الخراب. إننا لا نواجه فقط تشويهًا للهوية، بل اغتصابًا علنيًا لها أمام مرأى ومسمع العرب، الذين لا يمكن أن يثقوا أو يدعموا مَن يحمل اسمهم ويخون معناهم في ذات الوقت. السكوت هنا لم يعد فضيلة، بل تفريطًا في الصورة والمكانة والتحالفات الممكنة وشكل الدعم العربي للجيش الوطني.
نحو خريطة جديدة للتعايش عبر الانفصال
إذا استمر هذا المسار العدائي، فإن قيام دول جديدة مثل دولة دارفور ودولة جبال النوبة لن يكون خطرًا على السودان، بل قد يكون ضرورة تاريخية تفتح الطريق نحو سلام دائم، وتُجنّبنا حروب الهوية التي لا تنتهي. إننا نعيش لحظة فارقة: إما أن نُقرّ بالتعدد ونتعامل بنديّة، أو نذهب كلٌ إلى طريقه، دون قتال ولا احتقار. فليس من العدل أن يظل أبناء الشمال والوسط رهائن لتهم أخلاقية ملفقة، أو مادة لتطهير الهامش من عقده القديمة.
نحن عرب، ومسلمون، وسودانيون، ولسنا في حاجة إلى شهادة اعتماد من أحد. ونحن ـ كأبناء عرقٍ عربي وجذرٍ إسلامي ـ نرفض أن نُعامل كغرباء في بلاد أسلافنا أو انتقاص الهوية التي ننتمي لها. وإذا كان وجودنا يُعدّ خطرًا على سردية البعض، فإن أفضل ما نفعله لأجل الجميع… هو أن نفترق بسلامٍ وشرف، ونقيم دولتنا التي تحترمنا كما نحن.


