Site icon الديوان

جوبا وسيرة الخراب الثانية: عندما يصبح الاتفاق إعادة إنتاج للحرب

اتفاق جوبا للخراب

اتفاق جوبا للخراب

في لحظة تحاول فيها الدولة السودانية لملمة أشلائها من قارعة الخراب، لا ككيان سياسي متعثر فحسب، بل كفكرة متآكلة عن العقد الاجتماعي، مأزومة في نظامها، سيادتها، وانتمائها، لم يكن “اتفاق جوبا” مجرّد خلل تفاوضي، بل تعبيراً فادحًا عن غياب أي معيار قانوني جامع لإدماج القوى الاجتماعية في منظومة الحكم.

لقد جرى تعويض غياب “الشرعية الدستورية” بشرعية “الضغط”، وتحولت الدولة، منذ جوبا، إلى سوق مفتوحة للابتزاز المسلح، يعود فيها كل من جبريل إبراهيم ومناوي إلى مشهد السلطة، لا كمسؤولين، بل كـ”مخلفات رمزية” لحرب لم تُحسم، وسلام لم يُنجز، ودولة لم تُبنَ بعد — كنتاج حتمي لبنية سياسية تراكمت على الانقسام والتمثيل العنيف. فالأزمة ليست في عودتهما، بل في وجود بنية تُنتج عودتهما كأمر طبيعي ومتوقع.

لم يكن صعودهما خيانة للثورة فحسب… بل كأن الثورة لم تقم أصلًا، وكأن دماء الشباب في القيادة، وفي شوارع نيالا وكوبر وباشدار، لم تكن سوى ضجيجًا جانبيًا في مسرح يُدار من خلف الستار، حيث لا تُمنح المواقع بالبرامج، بل ببطاقات التمرد، ولا تُقاس الأهلية بالكفاءة، بل برصيد البندقية في ذاكرة المركز المهزوم. كل تمرد يُكافأ، وكل دم يُهرَق يتحوّل إلى عملة سياسية، بينما تُهمّش السياسة ذاتها وتُختزل في حفلة توزيع الغنائم.

جوبا: من الحُكم إلى المُقايضة

تشكلت حكومة كامل إدريس وسط طقوس احتفالية ركيكة، تتويجًا لمسار بدأ في جوبا، حيث تقدّم التمرد القديم ليعلن امتلاك مفاتيح الوزارات، لا بوصفه جزءًا من مشروع وطني، بل كوكيل للغنيمة السيادية. عاد جبريل إلى المالية ليُجدِّد عقد احتكار “صندوق الدولة”، ويضمن استمرار تدفق المال السياسي إلى شبكات التوازن المختل. أما مناوي، فظهر كظلّ مسلح لصورة الدولة المفككة؛ شيخ قبيلة يرتدي بدلة الحاكم، يتحدث باسم إقليم غائب، ويُفاوض المركز بوصفه “آخر غير قابل للاندماج”.

جبريل ومناوي هما الامتداد الطبيعي لما دشّنه اتفاق جوبا: حيث يصبح السلاح سيرة ذاتية، والحرب وسيلة للتفاوض، والتمثيل لا ينبع من برنامج، بل من القدرة على تهديد العاصمة. وهكذا لا تُدار الدولة من خلال المؤسسات، بل من منطق “عدم الانفجار”، حيث كل من يملك قدرة التهديد يملك حق المشاركة، والفصائل لا تُدمج، بل يُعاد تأهيلها كقوى تفاوضية ضمن النظام.

جوبا كتمرد مؤسّس: سلام بلا ذاكرة… بلا مشروع

كرّس جبريل ومناوي نموذج “التمرد المؤسّس” الذي انطلق من جوبا، حيث لم يعد السلاح استثناءً في السياسة، بل صار هو القاعدة التي يُعاد على أساسها تعريف الشرعية. لم يكن اتفاق جوبا لحظة مصالحة، بل صفقة مصلحية: قايضت فيها الدولة هويتها مقابل “وقف مؤقت لإطلاق النار”. لم تُستوعب الحركات المسلحة في مؤسسات الدولة، بل تم استيعاب الدولة في منطق الفصائل. إنه سلام جوباوي: بلا دولة، بلا ذاكرة، بلا مشروع. سلام يعيد إنتاج الحرب، لكن بلغة البيانات الرسمية، ووفق شروط تفاوض مفخخة.

في عهد جبريل، لم تُعَد ميزانية الدولة سوى خريطة لتحالفات سياسية نبتت في ظل جوبا. تحوّلت المالية إلى ديوان ولاء، لا جهاز سيادي. لم تُوزّع الموارد وفق أولويات التنمية، بل وفق خريطة الولاءات القبلية. صارت الميزانية خطابًا ضمنيًا للولاء، لا بيانًا اقتصاديًا. جبريل، الذي جاء باسم الثورة، خنقها بأدوات الدولة. والمفارقة أن من جاء باسم “الهامش”، يصنع مركزًا موازيًا لا يخضع لقانون، بل لعقيدة مفادها: من قاتل، لا يُسأل عن الحساب — وهذه إحدى عقائد جوبا الجوهرية.

خمس وزارات لحركات جوبا

في أحدث مشاهد ما بعد الدولة، يُعيَّن نور الدائم طه، ابن حركة مناوي، وزيرًا للمعادن، لا بناءً على الكفاءة، بل وفق منطق التوريث السياسي الذي شرعنته جوبا. كأن من يملك “الذاكرة القتالية” يملك الحق في وراثة المناصب كما تُورَّث الغنائم. لا فرق بين جبل عامر ومحفظة وزارية. هكذا يُستبدل منطق الخدمة العامة بمنطق الزعامة، ويصبح القرب من القائد أهم من القرب من القانون.

حصلت القوات المشتركة على خمس وزارات سيادية، في سابقة تُجسّد منطق اتفاق جوبا الذي حوّل الحكومة من مؤسسة إلى “مائدة محاصصة”. لم تعد الدولة تختار الوزراء، بل تُقسّم على أساس التهديد. وهذا الكيان العسكري لا يدخل كجزء من مؤسسة الدولة، بل ككتيبة تفاوضية تحتفظ بمنطق السلاح داخل أدراج المكتب. خمس وزارات لا تعني تمثيلًا، بل احتلالًا ناعمًا لمؤسسات السيادة باسم الأمن المشترك، بينما يتلاشى الأمن من أطراف البلاد.

أما مناوي، فقد أفرغ منصب “الحاكم” من معناه الإداري. تحوّلت دارفور في خطابه إلى كيان ما بعد وطني، له سرديته، أعلامه، ومظلومياته الجاهزة للمساومة — امتداد مباشر لخطاب جوبا الذي يُجزّئ السودان إلى كيانات تفاوضية لا تربطها مؤسسات، بل علاقات ابتزاز متبادل. لا يتحدث مناوي كجزء من حكومة، بل كسلطة ظل تنتظر لحظة الشغور. هو ليس الحاكم، بل التذكير المستمر بأن الهامش لم يغفر للمركز، ولن يغفر إلا عبر اتفاق جوبا جديد.

كامل إدريس: حكومة ما بعد جوبا

جاءت حكومة كامل إدريس وكان يُفترض بها أن تُنهي منطق جوبا، لكنها أعادت تدويره بأسلوب بيروقراطي جديد. استُوعبت الميليشيا داخل الوزارات، لا كمواطنين، بل كقوى تفاوضية. حكومة تُدار بـ”ميزان الخوف”، لا لبناء الدولة، بل لتفادي الانفجار. لم يعد الوطن وحدة سياسية، بل فسيفساء من مراكز قوى مؤقتة، تشترك في كونها نتاجًا مباشرًا لفكر جوبا: الدولة بوصفها صفقة مؤجلة، لا مشروعًا مؤسسًا.

وفقًا لكارل شميت، السيادة تعني القدرة على إعلان الاستثناء. لكن في السودان، منذ جوبا، من يملك إعلان الاستثناء ليس الرئيس، بل أمير الفصيل. كلما اقتربنا من تأسيس الدولة، يقاطعنا ظل جوبا باسم “الذاكرة الدامية”. الدولة لا تمثّل أحدًا، بل تسكن في ظل كل فصيل مرّ بالقصر، ووقّع أو ينتظر توقيع نسخة جديدة من جوبا.

الخاتمة: لا نعيش انتقالًا، بل تكرارًا لجوبا — والانفصال هو المخرج

إذا لم نسمِّ الأشياء بأسمائها، فنحن لا نعيش مرحلة انتقال، بل نعيد إنتاج الأزمة نفسها. فجبريل ومناوي ليسا استثناءً، بل تعبيرًا نقيًا عن جوهر جوبا: اتفاق يفرغ الدولة من معناها، ويمنح الشرعية لمن يحمل السلاح أطول. السؤال لم يعد: كيف نُحاسب جبريل ومناوي؟ بل كيف نكسر دورة جوبا المستدامة؟

ما لم نقطع الحبل السرّي بين البندقية والمكتب، وما لم ننفصل فعليًا عن منطق هذه الدولة المختطفة، فإن جوبا ستتكرّر، ويُعاد توقيعها كل مرة، لا كمهزلة فقط، بل كنظام حكم دائم يؤجّل ميلاد الفكرة الوطنية. الانفصال عن هذا المسار، فكريًا وسياسيًا وجغرافيًا، لم يعد خيارًا راديكاليًا، بل ضرورة للبقاء وللبدء من جديد.

اقرأ ايضا: البرهان: الجنرال الذي سلّم الدولة للحركات المسلحة

Exit mobile version