بالطبع قرأ الجميع في كتب التاريخ عن تلك الخدعة الاستراتيجية التاريخية التي قام بها اليونانيون لخداع أهل طروادة بإرسال حصان خشبي كبير كهدية استسلام، إلا أنهم أرسلوا خيرة جندهم وقواتهم في داخل تلك الهدية، وحققوا من تلك الخدعة الاستراتيجية العظيمة أمرًا مهمًا وهو خداع العدو بأن المعركة قد انتهت، مما أدى لإرخاء الدفاعات وهو الأمر الذي ترتب عليه النصر.
في قلب هذه الأسطورة الإغريقية الشهيرة، يقف حصان طروادة كرمز للخديعة التي غيّرت مسار التاريخ، حين تظاهر الإغريق بالهزيمة وتركوا حصانًا خشبيًا ضخمًا أمام أسوار طروادة كهدية سلام، ليُدخله الطرواديون إلى مدينتهم مبتهجين، دون أن يعلموا أن داخل الحصان يكمن جنود مختبئون، خرجوا ليلًا وفتحوا الأبواب لجيوشهم فدمرت المدينة من الداخل. ذات السيناريو يتكرر اليوم في السودان، ولكن بأسلوب عصري؛ فالحركات المسلحة الدارفورية التي دخلت المدن تحت غطاء اتفاقيات السلام، وبأسماء مثل “القوات المشتركة” و”الكفاح المسلح”، تُقيم اليوم في قلب المجتمعات التي طالما وصفتها بالعدو، وتبدو كأنها شريكة في السلام، لكنها في واقع الأمر تُعد العدة لمرحلة أكثر خطورة. الفرق الوحيد أن الحصان كان خشبيًا، أما اليوم، فالحصان من لحم ودم، يحمل السلاح، ويتغذى على خطاب الكراهية، ويبتسم بينما ينتظر لحظة الانقضاض المناسبة.
وإذا بدا تشبيه الحركات المسلحة بحصان طروادة حديثًا نوعًا من المبالغة، فإن ما كشفته الصحفية الموثوقة “رشان أوشي” – المعروفة بقربها من دوائر الاستخبارات العسكرية ومصادرها الرفيعة – يقدم برهانًا إضافيًا على صدق هذا التشبيه. فقد أوردت في أحد تسريباتها أن قوات تابعة لحركتي “العدل والمساواة” و”تحرير السودان” انسحبت بشكل مفاجئ ودون مبرر من مناطق استراتيجية مثل “المثلث الحدودي” و”كرب التوم”، مما أثار استغراب القيادة العسكرية، ودفع الفريق أول البرهان إلى استدعاء ممثلي الحركتين للاستفهام عن الدوافع. وكان الرد صادمًا: “نرغب في حسم ملف الحقائب الوزارية أولاً، ثم نتحدث عن الميدان”. هذا الموقف يؤكد أن هذه الحركات، التي تسللت إلى قلب الدولة تحت عباءة اتفاقيات السلام، لا تعمل ضمن مشروع وطني خالص، بل تتحرك وفق منطق الغنائم السياسية. وهنا يتأكد أن الحصان هذه المرة ليس خشبيًا، بل يحمل سلاحًا وينسحب عندما لا يحصل على نصيبه من السلطة – إنه “حصان طروادة” بلحم ودم، يعيش بيننا، ويبتسم بينما يساوم على الوطن.
لعبة النفوذ والضغط على المركز
إن الناظر الحاذق لحقيقة الأمور، يجد أن القوات الدارفورية التي تسمي نفسها – بالمشتركة – تعيد ذات السيناريو، بالتواجد في الحواضن الاجتماعية للجلابة كما تسميها هي، في مناورة استراتيجية خطيرة للغاية تهدف لتحقيق هدفين – إما أحدهما أو كلاهما – وهما الضغط على الدولة، بالتحديد في شخص البرهان، بوجود قواتهم في المناطق التي تغذي الدولة بالموارد المالية والبشرية أو ما يسمى بالسودان المفيد، وهو نفس السيناريو الذي حدث عندما تمددت قوات الدعم السريع، إلا أن البعد الاستراتيجي للحركات أعمق بمراحل من الجنجويد ناهيك عن المخطط العنصري المرتبط بمشروع تزنيج إفريقيا وبالأخص الساحل الإفريقي.
التهديد الدائم: بين شراكة مشروطة وتمرد متوقع
أما الأمر الثاني فهو السيطرة على السلطة، أو التمرد وإحداث أكبر قدر من الضرر الممكن؛ في حالة تخلص البرهان من اتفاق جوبا بأي صورة من الصور. وتاريخ هذه الحركات المسلحة الدارفورية مليء بالغدر والخيانة، زرقة وعربًا، ناهيك عن آخرها وهي محاولة نائب رئيس البلاد ذبح رئيسه في سريره بليل، في حركة تجسد طبعًا أصيلًا في ذلك الإقليم. هذا التاريخ الكبير، أيها السادة، يبرر لجميع أشكال الخيانة. فبعض الإخوة ذاكرتهم سمكية، ينسون أو يتناسون كل تلك الاتفاقيات التي أجرتها الحكومات السابقة، آخرها حكومة البشير التي وقعت معهم العديد من الاتفاقات، من الدوحة حتى الحوار الوطني، وتم تعيينهم في العديد من المناصب المرموقة مقابل الدمج والتسريح ووضع السلاح، إلا أنها دائمًا تسعى لخلخلة مفاصل الدولة من الداخل تمهيدًا للقضاء عليها، وإذا ما فشلت في ذلك تعود إلى غاباتها متمردة ومدمرة كل ما في طريقها.
واقع الخوف الشعبي وصراع الهوية
إن هذه الحركات المسلحة ممسكة بعنق أقاليمنا وموجهة سكينها في مشهد درامي فذ، وتتفاوض وتضغط على هذا الأساس، وتبتسم لنا من الزاوية الأخرى، إلا أن الحقيقة – في نظري – أنها تنتظر اللحظة المناسبة للقضاء على ما لم يقضِ عليه الجنجويد. ومن يدري، ربما تنتظر القوات القادمة من دارفور للمشاركة في معركة أخيرة في الشمال. في تلك الحالة، ربما تختار الحرب أو أن تعود للحياد، في كل الحالات، فهي ستخرج منتصرة لا محالة إذا ما استطاعت القيام بهذه المناورة بنجاح.
يجب أن تخرج هذه القوات وتذهب إلى دارفور بأي شكل من الأشكال، أو دعني أقتبس كلام السيد رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان: “يجب أن يخرجوا من جميع المدن ويذهبوا لأماكن تقبل بتواجدهم”.
إن ما تمارسه الحركات المسلحة من جرائم تتكرر بشكل شبه يومي، ما هو إلا نتاج عن الحالة النفسية لجنودها المعبئين بالكامل بخطابات المركز والهامش، والتي لا يحاولون حتى إخفاءها، بل ويجاهرون بها في كل فرصة يجدونها، سواء على الطبيعة أمام المواطنين العزل الذين يكيلون لهم الشتائم والمطاعنات والمشادات الكلامية بصورة يومية في الطرقات والأسواق والارتكازات، أو في مواقع التواصل الاجتماعي من فيسبوك وغيرها. حتى سئم الناس من نبرة الاستحقاق السمجة التي يخاطبون بها الناس، بالتزامن مع الحملة الإعلامية الكبيرة التي تقوم بها بعض الجهات للترويج لتلك القوات، تحت شعارات: (حركات الكفاح المسلح ومشتركة فوق ومورال فوق) وغيرها من الشعارات التي لا تعدو عن كونها شعارات، بل حتى أنها تتنافى مع الحقائق والوقائع العسكرية في الميدان. فهم اشتهروا بالفرار من المعارك وتخليف أعداد من القتلى والأسرى خلفهم، لا سيما أولئك القادمين من الشمال.
تزييف الخطاب وتضليل الواقع
إن هذا الترويج الممنهج، وإن كان الهدف منه تحقيق شراكة سياسية بصورة من الصور، إلا أنه ضغط على كاهل المواطن المسكين، الذي ينادي يوميًا بطرد تلك الحركات المسلحة والأشخاص الذين لا ينتمون أو يشبهون أصحاب تلك المناطق. إلا أن حجم الابتزاز أصبح أكبر من طموحهم، لدرجة أن كل من يتحدث ضد تواجد الحركات يُسام بالشتائم والخسف، وتكال عليه الاتهامات بأنه انفصالي ونهري ويتبع لعمسيب.
إن هذه الذريعة الواهية التي يتم بها التجاوز على حق المواطن الخاص في الحفاظ على ماهيته والحفاظ على إرثه وإرث أجداده في التواجد في المكان الذي عاش فيه أسلافه دون وجود شخص غريب، ليست سوى نوع من أنواع الاستعمار الحديث والبطش.
اقرأ ايضا: حين تصبح الميليشيا مركزًا: المظلومية كأداة لإعادة تشكيل السلطة


