في السنوات الأخيرة، تصاعدت الدعوات إلى تغليب المقاربات الحقوقية في معالجة أزمات الدول، لا سيما في منطقتنا العربية والأفريقية. وبالرغم من أن الخطاب الحقوقي يستند، في جوهره، إلى مبادئ العدالة والحرية، إلا أن استخدامه في سياقات النزاعات المسلحة بيد ميليشيا التمرد والانقلابات بات يفتقر إلى التوازن والاتساق، ويُوظّف في أحيان كثيرة بطريقة انتقائية تُغيب الفهم التاريخي والسياسي للصراعات.
لقد رأينا كيف جرى تصوير التمردات المسلحة على الدولة المركزية بوصفها “ثورات تحريرية” أو “حركات مقاومة”، بينما هي، في كثير من الأحيان، صراعات على السُّلطة تُغلَّف بخطاب المظلومية. في حالات مثل مالي، إثيوبيا، ليبيا، واليوم في السودان، ارتدت الجماعات المسلحة عباءة الحقوق لتبرير العنف والفوضى، مُستعينة بخطاب دولي ناعم يتحدث عن “الهامش”، بينما يتم تغييب الضحايا الفعليين وصرف النظر عن جرائم صارخة.
السودان: أوضح الأمثلة على فشل السردية الحقوقية الانتقائية
في السودان، تظهر فجاجة هذا الخطاب بوضوح مؤلم. فالهجوم الذي شنّته ميليشيا الدعم السريع على الخرطوم، بكل ما تخلّله من انتهاكات وترويع للمدنيين، جرى تأطيره في بعض المنابر بوصفه “ثورة ضد المركز”. لقد جرى تصعيد الميليشيا إلى مرتبة “الفاعل الأخلاقي” ليس استنادًا إلى سلوكها على الأرض، بل فقط لأنها تواجه الدولة.
هذه المفارقة تُبرز عمق المأزق الأخلاقي الذي تعاني منه بعض النخب الحقوقية والفكرية. إذ يُغمَض الطرف عن مجازر مروعة حدثت في الجنينة وغيرها، في مقابل إضفاء بُعد بطولي زائف على جماعة مسلحة تقوم على رابطة قبلية وتتبنّى خطابًا عنصريًا. إنها عدالة مشروطة، لا تبحث عن الحقيقة، بل عن “التمثيل الرمزي” لمن يُنظر إليه كضحية، حتى ولو كان جلادًا.
نظرية تعيد إنتاج ما تدّعي أنها تقاومه
من أول ما يثير الريبة في نظرية المركز والهامش هو منطقها الثنائي المغلق: مركز يملك كل أدوات السيطرة، وهامش لا يملك سوى السخط والشكوى. هذه النظرة ليست فقط تبسيطية، بل تعكس تصورًا ميتافيزيقيًا للواقع الاجتماعي وكأنه كيان ثابت، مقسم مسبقًا إلى خير وشر، ضحية وجلاد. لكنها بذلك تقع في نفس فخ الهيمنة الذي تنتقده: فهي تمنح “المركز” سلطة شاملة وتجرّد “الهامش” من المسؤولية المباشرة في تدشين سنة التمرد المسلح والمطالبة بحصص سياسية وثروات، مما يفضي إلى عسكرة المجتمعات وشرعنة فوضى حمل السلاح.
الخطورة هنا ليست معرفية فقط، بل سياسية وأخلاقية. فالنظرية تفترض أن الظلم ينبع دائمًا من “المركز” والتي تتبناها ميليشيا الحركات المسلحة وغيره، وبالتالي، فإن كل ما يصدر من “الهامش” مشروع بالضرورة، حتى لو كان في ذاته قمعيًا أو إقصائيًا. وهكذا يتحول الخطاب من نقد الهيمنة إلى شرعنة لهيمنة مضادة، لا تختلف عنها إلا في الموقع الجغرافي أو الإثني، لا في الجوهر.
تفكير بلا تاريخ… وعنف مغلّف بالأخلاق
من حيث المنهج، تنتمي هذه النظرية إلى ما يمكن وصفه بـ”تفكير بلا تاريخ”، فهي تتجاهل الحركية الاجتماعية وتفترض وجود بنى ثابتة ومتعالية: المركز كمصدر دائم للسلطة، والهامش كمكان دائم للمظلومية. لكنها لا تشرح، مثلًا، لماذا تماهى بعض أبناء الهامش مع سلطات المركز، أو كيف شاركوا في إعادة إنتاج نفس النظام الذي يشكون منه. إنها نظرية ترتاح للسرديات، لكنها تتهرب من الأسئلة.
ثم إن استخدامها السياسي غالبًا ما يكون محمّلًا بعنف رمزي مغطى برداء أخلاقي. تبرر التجييش، الانقسام، وحتى خطاب الكراهية، باسم استعادة العدالة. لكنها لا تخبرنا كيف سيتم بناء وطن مشترك بعد أن يُقسَّم المجتمع إلى “جلادين وضحايا” حسب خرائط عرقية أو جغرافية. إنها لا تُصلح الحاضر، بل تنسف فكرة المستقبل أصلًا.
مأزق اختزال “المركز” في هوية عرقية وثقافية
الأدهى من ذلك أن النظرية، والتي تؤمن بها الميليشيات المتمردة بل وتعتبرها دستورا لها، لا تعرّف “المركز” كموقع سلطوي أو كمنظومة حكم قابلة للتفكيك والنقد السياسي، بل تختزله في جماعة إثنية وثقافية محددة، غالبًا ما يُشار إليها في أدبيات بعض “الهامشيين” بعبارات مثل “الجلابة” أو “العرب” أو “أبناء النيل” أو حتى “الإسلاميين”. بهذا الاختزال، لا يعود المركز توصيفًا سياسيًا، بل يتحول إلى كيان عرقي ـ ثقافي متهم جوهريًا بالسلطة والظلم، بغض النظر عن موقعه الفعلي في البنية الحاكمة.
بهذا المنطق، لا يُحاكم الفاعل السياسي بناءً على أفعاله أو سياساته، بل على خلفيته الإثنية أو الدينية أو الثقافية. إنها نزعة جوهرانية (Essentialist) تحول الثقافة والانتماء إلى تهم سياسية مسبقة. في هذا الخطاب، لا يصبح “العربي” أو “المسلم” أو “النيلي” فردًا في مجتمع تعددي، بل متهمًا بحكم انتمائه، ومشكوكًا فيه بوصفه تجسيدًا للسلطة.
وهذا هو جوهر المأزق الفكري لنظرية المركز والهامش كما تُستخدم اليوم: أنها تتخلى عن النقد المؤسسي لصالح الإدانة الهوياتية، وتستبدل مشروع العدالة بمشروع انتقامي، يُقسّم الناس على أسس ثابتة لا مجال فيها للمراجعة أو التعايش. وبدلًا من تفكيك علاقات الهيمنة، تعيد إنتاجها في صورة أخرى، تحت شعارات التغيير والتحرر.
من ميليشيا أزواد إلى تيغراي: سرديات تتكرر
هذا الخطاب لم يبدأ في السودان، ولن ينتهي فيه. حين أعلنت حركة الطوارق استقلال “أزواد” شمال مالي عام 2012، رُفعت شعارات الحقوق والمظلومية، لكن ما لبث المشروع أن تحوّل إلى ملاذ للتطرف وصفقات السلاح. وفي إثيوبيا، خاضت جبهة تحرير تيغراي حربًا ضد الحكومة المركزية بعد عقود من التمكين، مستخدمة خطاب “الحق الإقليمي” لتبرير تمردها، فيما انتهت الحرب بكارثة إنسانية مدوية.
وفي ليبيا، سوريا، اليمن، وحتى تركيا، تكررت القصة ذاتها: دعمٌ دولي لجماعات مسلحة (ميليشيا) بحجة مقاومة “الطغيان”، انتهى بتفكيك الدول وخلق حروب أهلية بلا نهاية. في كل هذه التجارب، تكرر ذات الخطاب: لا مساءلة للفصائل المسلحة، لا نقد للارتباطات الخارجية، بل تلميع دائم لكل من يرفع شعار “الهامش” أو “الحقوق”، مهما كانت أفعاله.
خرافة تأسيسية: كل تمرد مقاومة، وكل سلطة قمع
الخلل الجوهري في هذا الخطاب يكمن في خرافة تأسيسية تعتبر أن كل تمرد هو مقاومة، وكل مؤسسة دولة هي تجسيد للقمع. لا مكان في هذه الرؤية للتعقيد، ولا لفهم البنى القبلية أو التدخلات الخارجية، ولا للتمييز بين نضال حقيقي وسلوك ميليشياوي. إن المدينة الفاضلة في هذا الخطاب باتت تمنح صكوك الطهر لمَن يحمل السلاح ضد الدولة، بصرف النظر عن أهدافه أو أدواته. بل إنها تعيد هندسة الذاكرة الجمعية، فتصبح المجازر “غضبًا شعبيًا”، ويُغسل التاريخ من جرائم الجماعات المسلحة تحت لافتة العدالة.
لا عدالة بلا صدق
إن خطابًا حقوقيًا حقيقيًا لا يمكن أن يُبنى على انتقائية أو انتقام رمزي. العدالة لا تُقام بتجميل المذابح، ولا تُحقق بتمكين ميليشيات عنصرية لمجرد أنها خارج المركز. النقد المشروع لبُنى الهيمنة المركزية يجب ألا يتحوّل إلى تبرير لفوضى مسلحة تُكرّس استبدادًا من نوع آخر.
المطلوب اليوم ليس إسكات الخطاب الحقوقي، بل تطهيره من التحيزات، وإعادة ربطه بالواقع. لأن حقوق الإنسان، إن لم تُرتبط بالحقيقة، قد تتحوّل إلى أداة لشرعنة الجريمة. وكما لا يجوز اختزال الدولة في القمع، لا يجوز أيضًا اختزال “الهامش” في النقاء. فالعدالة تبدأ حين يكون الدم المسفوك دمًا، لا شعارًا.
اقرأ ايضا: مجموعة الأبروفيين: المؤسسون الأوائل لقومية ” النهر والبحر “


