في الوقت الذي يُصارع فيه السودان أزماته الاقتصادية والسياسية والأمنية، يتنامى في الخفاء خطر داهم يُهدد النسيج الاجتماعي والسيادة الوطنية، وهو الوجود الأجنبي غير الشرعي، خاصة من دول غرب ووسط أفريقيا. فبينما ينشغل الرأي العام بأحداث الصراع والانقسام، يتمدد هذا الوجود بصمت، ويُعيد تشكيل الواقع الديموغرافي والأمني للبلاد.
أرقام صادمة وواقع مقلق
تشير التقديرات إلى أن عدد الأجانب بولاية الخرطوم وحدها يفوق 4.6 مليون نسمة، بينهم نحو 3.6 مليون غير شرعيين، في حين يبلغ إجمالي الوجود الأجنبي في السودان قرابة 6.2 مليون نسمة. هذه الأرقام وحدها كافية لدق ناقوس الخطر، لكنها تزداد خطورة عندما نعلم أن معظم هؤلاء المهاجرين دخلوا البلاد دون رقابة، ويقيمون في أحياء عشوائية، ويزاولون أنشطة اقتصادية وأحيانًا عسكرية بعيدًا عن أعين الدولة.
من الهروب إلى القتال: المهاجرون في صفوف الجنجويد
لم يعد الوجود الأجنبي محصورًا في معاناة النزوح أو الفقر، بل تجاوز ذلك إلى الانخراط المباشر في الصراع المسلح داخل السودان. فقد رصدت تقارير وشهادات ميدانية مشاركة مهاجرين من تشاد والنيجر ومالي وأفريقيا الوسطى ضمن صفوف قوات الجنجويد (الدعم السريع لاحقًا)، وهو ما يُحوّل بعض هؤلاء المهاجرين إلى مرتزقة مسلحين، يقاتلون بدوافع مالية أو إثنية، ويُسهمون في زعزعة الأمن الوطني وتعميق حالة الفوضى.
ضغط متزايد على الموارد والخدمات
يُشارك الأجانب اصحاب الوجود الأجنبي السكان المحليين في موارد شحيحة، ما أدى إلى اختناق في الخدمات الأساسية مثل التعليم، الصحة، المياه والسكن. كما أدّى دخولهم غير المنظم إلى سوق العمل إلى تراجع فرص التشغيل للمواطن السوداني، وارتفاع معدلات البطالة، خصوصًا في أوساط الشباب. هذا الواقع دفع الكثير من السودانيين أنفسهم للهجرة، في حلقة مفرغة تُنزف فيها البلاد من الداخل والخارج.
الوجود الأجنبي : خلل ديموغرافي ينذر بالخطر
منذ انفصال جنوب السودان في 2011، كان عدد سكان السودان يُقدر بحوالي 32 مليون نسمة. اليوم، وبحسب تقديرات الأمم المتحدة، تجاوز العدد 52 مليون نسمة. هذه الزيادة التي تبلغ 20 مليون خلال أقل من 15 عامًا، لا يُمكن تفسيرها بالنمو الطبيعي في بلد يعاني من الفقر، وعزوف الشباب عن الزواج، وارتفاع تكاليف المعيشة. مما يعزز فرضية أن جزءًا كبيرًا من هذه الزيادة يعود إلى تدفقات الأجانب غير الشرعيين.
لا تقتصر المخاطر على الجانب الاقتصادي والأمني فقط، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي والثقافي. يعيش الكثير من الأجانب في بيئات منعزلة، لا يندمجون في المجتمع، ولا يلتزمون بعاداته وتقاليده، مما أدى إلى احتكاكات متكررة ونزاعات محلية، خاصة في الأسواق والأحياء الطرفية.
هل من حلول قبل الانفجار؟
المسألة لم تعد تحتمل التأجيل أو التجاهل. فالتعامل مع الوجود الأجنبي يجب أن ينتقل من مربع “الإغاثة” إلى مربع الأمن القومي . إن استمرار هذا “الانفجار الصامت” دون تدخل حاسم قد يُحوّل السودان إلى أرض صراعات مستوردة، ويتحول فيها المواطن إلى أقلية في بلده، تُنازعه فئات طارئة على موارده وأمنه وهويته. آن الأوان لاتخاذ قرارات جادة تحفظ الوطن قبل فوات الأوان.
اقرأ ايضا: تقرير| اختار ان يكون بيدقاً للاستخبارات العسكرية : مصير أبو عاقلة كيكل قائد درع البطانة


