Site icon الديوان

دولة النهر والبحر : نحو تجاوز عقدة المركز والهامش وبناء وحدة وطنية جديدة

المركز والهامش

المركز والهامش

منذ أواخر القرن العشرين، شكّلت أطروحة المركز والهامش التي صاغها أبكر آدم إسماعيل أحد أخطر السرديات الفكرية في السودان. فهي تبدو وكأنها تحليل لعدم المساواة، لكنها في حقيقتها ليست سوى عقدة نفسية – ثقافية موجّهة ضد المجتمعات النهروبحرية التي قامت على ضفاف النيل وشواطئ البحر منذ آلاف السنين. تحوّلت هذه الجدلية من نصوص فكرية إلى أداة ابتزاز سياسي، استندت إليها الحركات المسلحة لتبرير العنف والانفصال. النتيجة كانت واضحة: انقسام الجنوب، تفجّر الصراع في دارفور، وتمدد خطاب الكراهية ضد مجتمع النهر والبحر.

أبكر آدم إسماعيل: أطروحة “الحتمية الصراعية” وجذورها الفكرية

اعتمد أبكر آدم إسماعيل في أطروحته الفكرية على فرضيتين رئيسيتين متقابلتين، تشكلان معاً ما أسماه “الحتمية الصراعية”. هذه الفرضيات لم تكن مجرد تحليل اقتصادي أو سياسي، بل كانت متجذرة في نظرة ثقافية وعرقية محددة للصراع السوداني.

الفرضية الأولى: تفوق المركز واحتكار السلطة

تؤكد هذه الفرضية أن المركز، الذي يمثله أبكر بالمجتمعات النيلية، يمارس هيمنة مطلقة على الهامش المؤمنين بنظرية ” المركز والهامش “. يُعيد المركز إنتاج الهامش بشكل دائم من خلال سياسات ممنهجة تهدف إلى استغلاله واستبعاد أهله من المشاركة في السلطة والثروة. وفقاً لهذه الرؤية، فإن كل أزمة في السودان وكل تفاوت تنموي هو نتاج طبيعي لهذا الاحتكار، الذي لا يقتصر على الموارد الاقتصادية بل يمتد ليشمل الهوية الثقافية والسياسية. هذا التفوق، بحسب أبكر، هو أساس الظلم التاريخي الذي تعاني منه مجتمعات الأطراف.

الفرضية الثانية: ثورة الهامش كنتيجة حتمية

بناءً على الفرضية الأولى، يرى أبكر أن هذا الظلم المستمر سيؤدي حتماً إلى ثورة الهامش المسلحة بناء على نظرية المركز والهامش . تُعَدّ هذه الثورة، في نظره، استجابة حتمية وقدرية للظلم المتراكم. ومن المفارقات أن أبكر يرى أن الهامش سيستخدم أدوات المركز نفسه—مثل التعليم، والوعي السياسي—لتحقيق هذه الثورة. الهدف ليس فقط تقاسم السلطة، بل قلب الهرم الاجتماعي والسياسي رأساً على عقب. هذه الرؤية تحوّل الصراع من مجرد خلاف على السياسات إلى معركة وجودية تهدف إلى تغيير بنية الدولة من جذورها.

الجوهر العرقي للأطروحة

على الرغم من أن أطروحة أبكر تُقدّم نفسها كتحليل اقتصادي سياسي، إلا أن جوهرها الحقيقي كان تفسيراً عرقياً وثقافياً للصراع. فبدلاً من تحليل الأسباب الموضوعية للتهميش، قامت الأطروحة على فكرة أن الصراع هو مواجهة بين فئتين: “عرب جلابة” الذين يمثلون المركز، و”شعوب أفريقية” تمثل الهامش. هذه النظرة التبسيطية للصراع غضت الطرف عن التعقيدات التاريخية والاجتماعية، وحوّلت التنوع الثقافي السوداني إلى ثنائية عرقية متناحرة، مما أعطى الحركات المسلحة مبرراً أيديولوجياً قوياً لاستخدام العنف وتبرير الصراع بناء على نظرية المركز والهامش.

مجتمعات الهامش: سردية المظلومية

المشكلة الجوهرية أن ما يسمى بـ”الهامش” ليس كيانًا واحدًا، بل خليط غير متجانس: جنوب السودان (الذي انفصل)، دارفور بمكوناتها، جبال النوبة، والأنقسنا. هذه المجتمعات لا يجمعها دين ولا لغة ولا ثقافة موحّدة. ما يوحدها فقط هو خطاب المظلومية الموجّه ضد مجتمع النهر والبحر. إنها وحدة تقوم على العداء لا على مشروع حضاري. وما ميّز جدلية أبكر أنها لم تبقَ في الكتب، بل تحولت إلى أداة عملية لتأجيج الصراعات. تبنّت الحركات المسلحة في الجنوب ودارفور والنوبة عناصرها الأساسية:

الجنوب: الوحدة الزائفة التي قادت إلى الانفصال

كان جنوب السودان هو النموذج الأول والحي لتجسيد جدلية المركز والهامش. فبالرغم من تعدد المجموعات العرقية فيه، مثل الدينكا، النوير، والشلك، واختلافها في العادات واللغات، إلا أن ما وحدها فعلياً لم يكن مشروعاً حضارياً مشتركاً، بل كان خطاب المظلومية الموجّه ضد ما أُطلق عليه “المركز العربي-الإسلامي”. لقد نجحت الحركة الشعبية لتحرير السودان في صياغة سردية موحدة مبنية على التهميش السياسي والاقتصادي والثقافي، محوّلة الاختلافات البينية إلى وحدة زائفة لم تكن تهدف إلى الإصلاح، بل إلى الانفصال. وعندما تحقق الانفصال في عام 2011، لم تُفلح هذه الوحدة الزائفة في بناء دولة مستقرة، بل عادت الصراعات الداخلية بين المكونات الجنوبية ذاتها، مما أثبت أن خطاب الهامش لم يكن مشروعاً للبناء، بل وسيلة للتفكيك فقط.

دارفور: سردية المظلومية التي تحولت إلى عداء عرقي

تُعدّ دارفور مثالاً آخر على كيفية استغلال جدلية المركز والهامش لتعبئة المجتمعات. فالمجتمعات الدارفورية، مثل الزغاوة، الفور، والمساليت، كانت لها علاقات تاريخية مع بقية مكونات السودان، ولم يكن الصراع على الهوية بهذا الحدة قبل ظهور الحركات المسلحة. لقد عملت هذه الحركات على تحويل التوترات التقليدية حول الموارد إلى صراع هوياتي شامل، مصوّرةً مجتمع النهر والبحر كعدو عرقي وثقافي يجب مواجهته. هذه السردية، التي غذّتها أطراف خارجية، حوّلت المطالب المشروعة بالتنمية والعدالة إلى حرب أهلية مدمرة، لم تقتصر على مواجهة الدولة، بل امتدت لتشمل مجتمعات بأكملها. إن هذا التحوّل من صراع سياسي إلى عداء عرقي هو جوهر العقدة النفسية التي أنتجتها جدلية الهامش، وأدت إلى مآسٍ إنسانية لا حصر لها.

جبال النوبة والأنقسنا: الرهان على الهامش الذي لم يحقق التحرير

في جبال النوبة ومناطق الأنقسنا، تبنّت الحركة الشعبية لتحرير السودان خطاب الهامش كوسيلة لتجنيد المقاتلين وتبرير صراعها ضد الدولة المركزية. وبالرغم من أن هذه المناطق شهدت بالفعل تهميشاً اقتصادياً وسياسياً، إلا أن ربط قضيتها بجدلية الهامش لم يقدم حلاً مستداماً. فبعد انفصال الجنوب، لم تتحرر هذه المناطق أو تحقق تطلعاتها، بل ظلت رهينة خطاب لم يعد صالحاً للاستخدام. لقد كشف هذا الواقع أن التضحية التي قدمتها هذه المجتمعات لم تُثمر مشروعاً وطنياً أو حتى إقليمياً، بل أصبحت مجرد وقود لصراع أيديولوجي لم يكن يخدم مصالحها في جوهره. إن هذه الحالة تؤكد أن جدلية المركز والهامش هي استراتيجية تفكيك، وليست رؤية لبناء مجتمع عادل ومستقر. وبذلك صارت جدلية المركز والهامش ليست وصفًا للصراع بل جزءًا من صناعته وتوسيعه.

مجتمعات النهر والبحر: أساس الدولة وعمق الحضارة

في مقابل خطاب الهامش القائم على المظلومية والعداء، تمثل المجتمعات النهروبحرية العمود الفقري للدولة السودانية ووعاء هويتها الحضارية. فهي ليست مجرد تجمعات سكانية على ضفاف الماء، بل هي الأصل الذي صاغ معنى السودان عبر العصور:

إن أي عداء يُوجَّه ضد هذه المجتمعات تحت شعار “المركز والهامش” هو عداء لجوهر الدولة نفسها، ومحاولة لهدم الأساس الذي قام عليه السودان عبر التاريخ. فمجتمعات النهر والبحر ليست طرفًا في صراع، بل هي جوهر الهوية الوطنية وركيزة بقائها.

عقدة نفسية لا نظرية علمية

جدلية أبكر تتجاهل جذور الرق المعقدة وتختزلها في ثنائية جلابة/زنوج، كما تتجاهل التفاوتات التنموية التي خلّفها الاستعمار. بل حولت “المركز” من رمز للنظام السياسي إلى مرادف لمجتمع بعينه: مجتمع النهر والبحر. وهنا جوهر الخلل: لسنا أمام نقد سياسي يمكن معالجته، بل أمام عداء نفسي – ثقافي موجّه ضد شعب بأكمله.

ثورة الهامش ومفارقاتها

أبكر عرّف “ثورة الهامش” بأنها ثورة أفريقية ضد العرب، وأدخلها في إطار “الأفروسنتريك” أو العودة للجذور الأفريقية. لكن الإشكال أن هذه الشعوب ليست موحّدة، ولا تملك ثقافة جامعة، بل استُخدم العداء للعرب والهوية النيلية كقاسم مشترك. هكذا وُلد مشروع “السودان الجديد” لا كحل للوحدة، بل كمشروع صراع يشرعن العنف والانفصال.

دولة النهر والبحر: الحل والخلاص

بعد أن أثبتت جدلية المركز والهامش فشلها، لا يبقى سوى خيار واحد: دولة النهر والبحر كمشروع حضاري بديل.

ختاما .. جدلية أبكر آدم إسماعيل ليست تحليلًا علميًا بقدر ما هي مشروع سياسي يشرعن العنف ويعيد إنتاج الكراهية. لقد أنتجت الانفصال والتفكك، ولم تقدّم حلًا. إن الخلاص الحقيقي هو في إعلان مشروع دولة النهر والبحر كهوية بديلة، تتجاوز عقدة المركز والهامش وتؤسس لوحدة جديدة تقوم على التاريخ المشترك والانفتاح الحضاري، لا على ثنائية الصراع والابتزاز.

اقرأ ايضا: مشروع النهر والبحر: أمل للجميع وفرصة للولادة من جديد

Exit mobile version