شهد إقليم دارفور منذ الستينيات بروز تيارات سياسية محلية، بدأت بمحاولات خجولة لتأسيس أحزاب تعبر عن هموم الإقليم وتطلعاته، مثل جبهة نهضة دارفور التي ظهرت في منتصف الستينيات مطالبة بتنمية الإقليم ورفع التهميش عنه. لكن تلك الأحزاب لم تستطع الاستمرار طويلًا، إذ ظلت أسيرة الانقسامات القبلية والصراعات الداخلية، ما أضعف قدرتها على التنافس في الساحة السياسية الوطنية.
مع نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، تراجعت مكانة العمل الحزبي المدني في دارفور لصالح الروابط القبلية، خاصة بعد انهيار مشروع الحكم الإقليمي وعودة المركزية السياسية القابضة. ومع اشتداد الصراع على الموارد، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، تصاعدت الخطابات القبلية وتحولت تدريجياً إلى أرضية لتكوين الحركات المسلحة، التي وجدت في السلاح وسيلة للضغط على الخرطوم، بدلا من العمل عبر القنوات السياسية الشرعية.
قرار الحرب.. خيار النخبة لا الدولة
لم يكن اندلاع الحرب في دارفور قراراً فرضته الدولة المركزية، بل كان قراراً واعياً اتخذته النخبة السياسية الدارفورية التي رفضت العمل السياسي المدني ولجأت إلى خيار السلاح باعتباره الطريق الأسرع لتحقيق مطالبها. هذا الخيار مثّل انحرافاً خطيرا عن مسار السياسة الوطنية، وأدخل الإقليم في دوامة نزاعات لم تجلب سوى الدمار والتفكك الاجتماعي.
العقل السياسي القبلي
إن أحد جذور الأزمة يتمثل في أن العقل السياسي الدارفوري ظل عقلاً قبلياً بامتياز، حيث أصبحت القبيلة هي المنصة الأساسية للشرعية السياسية. لم تسعَ النخبة إلى تجاوز هذه البنى التقليدية نحو مشاريع وطنية جامعة، بل كرّستها كأداة للنفوذ والتعبئة. والنتيجة أن دارفور لم تشهد نشوء أحزاب مدنية قوية قادرة على قيادة مشروع سياسي حديث.
فشل مشروع التحديث
عندما جاء الرئيس جعفر نميري إلى السلطة، أصدر عام 1971 قراراً تاريخياً بحل الإدارات الأهلية في السودان وإلغاء نظام الحواكير والدوُر ، سعياً لتفكيك البنى التقليدية التي كانت تعيق بناء دولة حديثة، ولتمهيد الطريق أمام مؤسسات سياسية وإدارية عصرية. غير أن النخبة الدارفورية تعاملت مع هذا القرار بذهنية دفاعية، ورأت فيه تهديداً لسطوتها ومصالحها القبلية، فرفضت الانخراط في المشروع التحديثي، وأبقت المجتمع الدارفوري أسير الولاءات القبلية.
فرصة تاريخية ضائعة
كان قرار نميري بإلغاء الحواكير فرصة تاريخية لبناء إدارة سياسية موحدة وعصرية في السودان، حيث كان من الممكن أن ينقل دارفور من سلطة الأعراف القبلية إلى فضاء الدولة الحديثة التي تقوم على الأحزاب والمؤسسات، تمامًا كما حدث في أقاليم أخرى من السودان. لو استثمرت النخبة الدارفورية هذه اللحظة، لكانت دارفور اليوم أكثر استقراراً ، ولكانت مشاركتها السياسية في الدولة أوسع وأقوى. لكن تمسك النخبة بالبنى القبلية جعل هذه الفرصة تضيع، وأعاد الإقليم إلى دوائر الصراع على الأرض والسلطة، بدلًا من بناء مشروع سياسي مشترك مع بقية الوطن.
بين السياسة والبندقية
كان لجوء النخبة إلى السلاح بدلًا من تعزيز العمل المدني والسياسي خيارًا مدمرًا، إذ حولت الصراع من مواجهة سياسية إلى حرب طويلة أكلت الأخضر واليابس. وأصبح السلاح هو لغة التفاوض الوحيدة، بينما تراجعت فرص التنمية والاستقرار، وانقسمت النخبة نفسها إلى فصائل مسلحة متناحرة، تتسابق على النفوذ والمكاسب، بدلًا من التنافس على تقديم رؤى سياسية بنّاءة.
تنبع أزمة دارفور من فشل النخبة السياسية في تجاوز البنى القبلية، ورفضها المتكرر لمشاريع التحديث، واختيارها السلاح على حساب السياسة المدنية. ولعل الخروج من هذا المأزق يتطلب إعادة صياغة المشهد السياسي الدارفوري على أسس وطنية وحداثية، وفك الارتباط بين السياسة والقبيلة، وإعادة الاعتبار للأحزاب المدنية كمنابر للتنافس الديمقراطي.
اليوم، وبعد عقود من النزاعات، لم يعد هناك مبرر لاستمرار رهان الحركات المسلحة على البندقية كأداة للشرعية السياسية. فقد أثبت الواقع أن السلاح لم يجلب إلا المزيد من الانقسامات والفوضى. إن على النخبة الدارفورية أن تتحلى بالشجاعة لمراجعة مسارها، وتبني مشروع سياسي جديد يقوم على الحوار، وبناء مؤسسات حزبية حديثة، والانخراط في عملية إصلاح سياسي وفكري شامل. وحده هذا الخيار يمكن أن يعيد لدارفور استقرارها، ويضمن مشاركة عادلة في بناء السودان دون استدعاء ماضي الحروب.
اقرأ ايضا: نيالا: تأسيس حكومة دولة السودان الفيدرالية على أنقاض الدولة أم ترسيخ فصل اقليم دارفور؟


