Site icon الديوان

ما بعد الخرطوم : سؤال الدولة المؤجلة وحقيقة مثلث حمدي

مثلث حمدي و الدولة السودانية

مثلث حمدي و الدولة السودانية

يقف السودان اليوم على حافة محنة وجودية غير مسبوقة. فبعدما دُمِّرت الخرطوم، لم تُدمّر كمكان فحسب، بل كرمز وذاكرة وهوية وطنية. سقطت العاصمة كمركز لفكرة الدولة. لم يكن ما جرى مجرد تمردٍ على الجيش، بل عملية ممنهجة لتحطيم المعنى الرمزي للعاصمة. والأخطر من الدمار المادي، أن نترك هذه التركة المأزومة للأجيال القادمة، مثقلةً بالعجز عن تجاوز الصراع الأبدي بين متاهة المركز وسراب الهامش.

إن الدولة، في جوهرها، لا تُبنى على الجغرافيا، بل على اتفاق جامع يتجاوزها: القانون، المؤسسات، والعدالة. ولهذا فإن ما استهدفته قوات الدعم السريع لم يكن القصر الجمهوري فحسب، بل الخرطوم نفسها، باعتبارها الرمز الأهم للدولة المركزية. لم يكن ما شهدناه نزاعًا على السلطة، بل لحظة تصدّع جوهر الفكرة الوطنية.

للمرة الأولى، يخوض الجيش ـ المتَّهم تاريخيًا بتبني نظرية “مثلث حمدي” الذي يرمز له كتجلي للمركزية عبر مدعيي التهميش ـ معركةً ليس من أجل الحكم، بل من أجل البقاء الرمزي لكيان الدولة. في المقابل، جاءت الميليشيا وهي ترفع لواء “التمثيل الهامشي”، لكنها حوّلت العاصمة إلى ساحة للثأر الرمزي، كأن الخرطوم تختزل في وعيها جغرافيا الإقصاء المزمن.

مثلث حمدي: من خطة اقتصادية إلى مركزية رمزية

في عام 2005، طرح الاستاذ عبد الرحيم حمدي، وزير المالية الأسبق، ما عُرف بـ”نظرية مثلث حمدي“، التي أصبحت لاحقًا واحدة من أكثر المفاهيم إثارة للجدل في الخطاب السياسي السوداني. غير أن جوهر هذه النظرية لم يكن تأسيس مركزية سياسية أو ثقافية أو تهميش مناطق مثل دارفور ، بل جاءت في أصلها كرؤية اقتصادية تركز على الأقاليم الأكثر استقرارًا وإنتاجًا من حيث التعليم والبنية التحتية، بهدف تسريع وتيرة التنمية واعادة انتاج الموارد في الاقاليم الاقل استقرارا. اذا فنظرية مثلث حمدي كانت خطة فنية بحتة تُحدّد أين يمكن للدولة أن تبدأ بتنمية قاعدتها الاقتصادية، وليس وثيقة سياسية لتوزيع الولاء أو الشرعية.

لكن سرعان ما تحولت هذه النظرية، على يد الخطاب الهامشي، من خطة تنموية إلى رمز إدانة سياسي. جرى تجريدها من سياقها وتحميلها أكثر مما تحتمل، حتى أصبحت عند البعض أشبه بـ”فزاعة رمزية” تبرر سردية التهميش وتغذيها، دون أن يتساءل أحد: هل المعضلة حقًا في النظرية؟ أم في عجز الدولة عن بناء نموذج تنموي شامل لكل الأقاليم؟

هذا التحول من النقاش التنموي إلى التأويل الرمزي ليس خاصًا بمثلث حمدي وحده، بل يُمثّل نمطًا أوسع في بنية الخطاب الهامشي نفسه. فبدل أن يُنتج الهامش فلسفة وطنية متماسكة أو مشروع دولة جديد، اكتفى غالبًا بإعادة إنتاج رموز مظلوميته وتضخيمها، دون تقديم بديل مؤسسي أو رؤية متكاملة.

الهامش كخطاب احتجاجي لا مشروع بديل

لقد تأسس خطاب الهامش بوصفه خطابًا أخلاقيًا؛ صرخة ضد الإقصاء والتهميش والعنف. لكنه لم يتحول إلى مشروع سياسي ناضج، بل ظل يُراوح مكانه في منطقة التظلم، متمسكًا بثنائيات جغرافية (مركز/هامش)، وهوياتية (عرب/أفارقة)، دون التقدم نحو صياغة تعاقد سياسي جديد يعيد تعريف الدولة على أسس مدنية وشاملة.

وفي هذا السياق، تحوّلت رموز مثل “مثلث حمدي” إلى تمائم سياسية، تُستدعى عند الحاجة لشحن الغضب، لا لتحليل الواقع أو تغييره. وبدل أن تنتج النخبة الهامشية تصورًا جديدًا للوطن، لجأت إلى استثمار الذاكرة الدموية واستدعاء الهويات الإثنية كأدوات تفاوض على السلطة، لا كأرضية لبناء عقد اجتماعي جديد. وهكذا، ظل الهامش في موقع المطالبة لا البناء، في موقع النفي لا التأسيس، يرفع شعار التهميش، دون أن يُترجم ذلك إلى مشروع بنيوي يؤمن بالمؤسسات، لا بالبنادق.

من رمزية الهامش إلى فشل النخبة الثورية

لم يكن اختزال “مثلث حمدي” في رمز للتهميش سوى نموذج لتكتيك أوسع مارسه الخطاب الهامشي طوال العقود الأخيرة: تحويل النقاش الوطني من سؤال بناء الدولة إلى حفريات في الهويات المجروحة، ومن تطوير المؤسسات إلى تدوير سردية المظلومية. وقد بلغ هذا الخطاب ذروته في أعقاب ثورة ديسمبر 2019، حين أُتيحت للنخبة الثورية ـ بما فيها نخبة الهامش ـ فرصة نادرة لإعادة تعريف الدولة على أسس جديدة.

لكن بدل أن تنتج هذه النخبة عقدًا وطنيًا جامعًا، انخرطت في نزاعات الهوية والتمثيل، وذهبت إلى اقتسام السلطة بمنطق الغنيمة لا بمنطق الإصلاح. لم تكن معنية بتطوير مؤسسات الدولة، بقدر ما كانت مهجوسة بإثبات أحقيتها الرمزية في تمثيل “المهمّشين”. وأُهدرت بالتالي فرصة الانتقال السياسي، لأن النخبة لم تكن تمتلك مشروعًا واضحًا للدولة، بل سرديات مشتتة، وجراحًا مفتوحة، ومطالب مؤجلة. وكلما تعثرت السلطة، كانت تُستدعى الذاكرة الدموية كأداة تفاوض جديدة، وكأن الشرعية تُستمد من الألم لا من الرؤية.

حتى داخل الحاضنة السياسية لما بعد الثورة، ساد منطق التوازنات الإثنية والجهوية، لا منطق المؤسسات. وغُيّبت الأسئلة الحقيقية: من يملك الحق في بناء الدولة؟ بأي فلسفة؟ وعلى أي أساس؟ وتحول الصراع من جدل حول نظام الحكم إلى تنازع على التمثيل الرمزي. وهكذا، أعادت النخبة الثورية إنتاج نفس التناقضات التي خرجت ضدها، لكنها هذه المرة بثوب ثوري. وانتهى المطاف إلى إعادة تدوير النخبة، لا تفكيكها؛ وإلى استبدال رموز المركز القديمة بتحالفات مسلحة لا تختلف عنها في شيء سوى في الشعار.

اقرأ ايضا: بين الشمس والريح: استراتيجيات البرهان والصراع الدارفوري في السودان

عقد الدولة: من التفاوض إلى التفكك

في المفهوم السياسي، لا تقوم الدولة على دستور مكتوب فحسب، بل على عقد ضمني بين المواطنين. هذا العقد غير المعلن يفترض أن تحتكر الدولة العنف المشروع، وتكفل توزيع الحقوق، وتؤسس لمنظومة عدالة تحكم الجميع وتمنع الاحتكام للفوضى أو الانتماءات الضيقة. و في هذا السياق، لم يكن تحالف بعض قادة الحركات المسلحة مع قوات الدعم السريع حدثًا تكتيكيًا، بل إعلانًا عمليًا عن نهاية العقد الوطني الجامع. لقد تم تجاوز المؤسسات، والقفز على فكرة الدولة، لصالح تحالفات جهوية مسلحة لا تؤمن إلا بالثأر والتمثيل القَبلي.

الأسوأ من ذلك، أن هذا الانحياز الجهوي لم يبقَ في ساحة القتال، بل تمدد إلى النخب المدنية، ومنصات الإعلام، والخطاب العام. بات بعض المثقفين يبرّرون المجازر تحت لافتة “نصرة الهامش”، دون أن يسألوا أنفسهم: أي وطن يمكن أن يُبنى حين يصبح الدم هو العملة الوحيدة للشرعية السياسية؟

حرب 15 أكتوبر: حين تصطدم الجغرافيا بالخيال السياسي

الحقيقة هي أن المأزق لم يكن في نظرية مثلث حمدي نفسها، التي كانت رؤية اقتصادية فنية بحتة، بل في الاستغلال السياسي لها. فإن من يرفع السلاح اليوم لا يسعى إلى احتضان الوطن، بل إلى إعادة رسمه من جديد وفق مزاجه الخاص، وذاكرته، وعشيرته. ولكن تم إنتاج خطاب الهامش وعداء المركز، الذي يقصد به صراحة ليست مركزية سلطوية بل مكونات اجتماعية عرقية وثقافية بعينها، وبالتالي الانتصار عليها لا يقصد به توصيفًا سياسيًا بل إقصاءً عرقيًا وأثنيًا.

في جوهرها، لم تكن نظرية “مثلث حمدي” مشروعًا لترسيخ مركزية سياسية أو ثقافية، ولا دعوة لتهميش مناطق بعينها. بل كانت نظرية اقتصادية بحتة تهدف إلى تحديد الأقاليم الأكثر استقرارًا وإنتاجًا لتوجيه التنمية. استندت هذه النظرية إلى معايير فنية مثل الاستقرار، مستوى التعليم، والبنية التحتية، لتحديد ثلاثة أقاليم ومدن رئيسية باعتبارها قلب النشاط الاقتصادي.

إن ما يجري في السودان اليوم ليس صراعًا تقليديًا على السلطة، بل صراع أعمق على تعريف الوطن نفسه. هل نحن بصدد دولة تقوم على المؤسسات والمواطنة والقانون؟ أم نعود إلى مرحلة ما قبل الدولة، حيث تتحالف القبائل وتتشكل السلطات على أساس السلاح والهوية الجهوية؟

اقرأ ايضا: مثلث البروفيسور عبد الرحيم حمدي

Exit mobile version