لم تكن قومية النهر والبحر التي بزغت أولى ملامحها في عشرينيات القرن الماضي لحظة انفعال سياسي عابر، أو استجابة ظرفية لحالة من القهر الاستعماري أو التناحر الطائفي، بل كانت ثمرة نضج فكري واستبصار استثنائي لما يمكن أن تؤول إليه تركيبة الدولة السودانية ما بعد الاستعمار. وقد تجلّى هذا الوعي بشكل لافت في حي أبوروف بأم درمان، حيث التقت نخبة من المثقفين والمستنيرين، في مقدمتهم آل الكد – وبالأخص الشقيقان حسن وحسين الكد – ليشكلوا أول نواة فكرية لمشروع قومي يستند إلى هوية حضارية وثقافية متجذّرة، لا إلى حدود استعمارية مصطنعة أو هويات مفروضة قسرًا.
السودان كإرث استعماري: الاسم، والحدود، والهوية
لفهم الأزمة السودانية المركّبة، لا بد من الرجوع إلى لحظة التكوين الأولى: تلك اللحظة التي واجهها الأبروفيون بوعي نقدي حاد، إذ أدركوا أن السودان الحديث لم يكن ثمرة تطور طبيعي للجماعة الوطنية، بل كيانًا صُنِع بفعل العنف الرمزي والمادي للاستعمار، الذي دمج ممالك وسلطنات منفصلة – كسلطنة سنار ودارفور والممالك الجنوبية – في وحدة جغرافية قسرية لا يربط بين مكوناتها رابط عضوي أو ثقافي مشترك، وهو ذات ما يدعو له تيار النهر والبحر .
حتى الاسم نفسه – “السودان” – لم يكن، في نظرهم، أكثر من توصيف استعماري اختزالي، أُطلق على أساس لوني لا على أساس حضاري. وكان هذا الاختزال في التسمية تعبيرًا عن نزع السيادة الرمزية من المجتمعات النهرية والبحرية، وتكريسًا لفكرة أن الهوية تُفرض من الخارج لا تُنتج من الداخل. وقد عبّر بعضهم، كما في حالة حسن أحمد عثمان، عن شعور بالمهانة حين يُكتب في أوراقه “سوداني”، لما يحمله اللفظ من إيحاءات عبودية وتاريخ من التهميش الرمزي.
لذلك، طُرحت آنذاك فكرة تغيير اسم الدولة إلى “سنار”، كخطوة رمزية نحو استعادة العمق الحضاري العربي الإسلامي، والانتماء الطبيعي للمجتمعات النهرية والشرقية، التي شكّلت عبر القرون نواة متجانسة ثقافيًا ولغويًا، بخلاف المجتمعات الغربية أو الجنوبية التي لم تشارك في ذلك الامتداد الحضاري، بل ظلت على هامشه أو في خصومة معه.
وعي استباقي بطبيعة الخلل البنيوي
لقد انطلق الأبروفيون كما تيار النهر والبحر من قناعة مركزية بأن الدولة لا يمكن أن تُبنى على ضمّ المتناقضات أو تجميع الفُرَق المتنافرة داخل وعاء سياسي واحد. لم يكونوا ينكرون التعدد الثقافي، لكنهم رفضوا أن يُفرض على الدولة عقد اجتماعي قسري قائم على “سودانوية” هلامية تذيب الخصوصيات الحضارية، وتُقيم نوعًا من الوحدة الصورية تحت شعارات جوفاء.
في رؤيتهم، لم يكن العرب في السودان مجرد مكوّن إثني، بل تجلٍ لحضارة ضاربة في عمق وادي النيل وسواحل البحر الأحمر، تشكّلت عبر تفاعلات تاريخية امتدت لقرون. وكانوا يرون أن مجتمعات الغرب والجنوب، رغم احتوائها على عناصر عربية مثل عرب دارفور، لم تكن في يوم من الأيام جزءًا من هذه البنية الحضارية، بل كثيرًا ما كانت علاقاتها بالمركز النهري قائمة على الغزو والصراع. أما مجتمعات الشرق، فقد مثّلت الامتداد الطبيعي للهوية النهرية، من حيث اللغة والدين والأنماط الاجتماعية، مما جعلها الشريك التاريخي الأكثر تجانسًا.
من التأسيس الفكري إلى العمل المؤسسي
واليوم، بعد مرور قرن على تلك البذرة الفكرية الرائدة، تُطل منظمة النهر والبحر بوصفها الامتداد الطبيعي والوريث الشرعي لهذا المشروع القومي الحضاري. ليست المنظمة استجابة آنية لأزمة راهنة، ولا حركة احتجاجية ذات مطالب جزئية، بل هي تجديد شامل للوعي، وصياغة حديثة لعقد اجتماعي جديد، يستلهم جذوره من الرؤية الأبروفية، ويعيد طرح السؤال الجوهري: من نحن؟ ومن يحق له أن يضع أسس الدولة؟
المنظمة لا تؤمن بإعادة إنتاج المركزية الاستعمارية، ولا تنخرط في مشاريع إثنية أو مناطقية تُمزّق ما تبقى من النسيج المجتمعي، بل تدعو إلى دولة تقوم على الوعي لا على الجغرافيا، وعلى الانسجام الحضاري لا على التعدد المتنافر. وهي ترى أن فشل السودان الرسمي – كما تأسس عام 1956 – في إنتاج هوية وطنية موحدة أو نظام حكم عادل ومستقر، هو نتيجة مباشرة لانعدام هذا الأساس الحضاري المشترك.
صياغة قومية جديدة من الإرث الأصيل
إن الدعوة النهروبحرية، كما تتجسّد اليوم في المنظمة، لا تدعو إلى إقصاء الآخر، لكنها ترفض الانصهار القسري والتعايش القهري. هي تدرك أن المجتمعات لا تتعايش فعليًا إلا حين تملك لغة مشتركة، وخيالًا سياسيًا موحدًا، وتاريخًا من التعاون لا من التصادم. وهذه الشروط، كما ترى المنظمة، متوفرة بدرجة كبيرة في المجتمعات النهروبحرية، الذي تبلور فيه شكل من الوحدة الحضارية الطبيعية، بخلاف المناطق التي ظلت تاريخيًا في علاقة صدام مع المركز أو انكفاء على ذاتها.
اقرأ ايضا: الإنفصال عن إقليم دارفور : لم يعد السؤال عن الرحيل ، بل عن كيفيته
نحو عقد اجتماعي جديد
لا تسعى منظمة النهر والبحر إلى بناء دولة فوق أنقاض دولة، بل إلى تأسيس قومية حقيقية تُعاش لا تُفرض؛ هوية تنبع من التاريخ والثقافة والممارسة اليومية، لا من الشعارات أو القوانين فقط. مشروعها ليس سياسيًا تقنيًا، بل فكري وتحضّري، يبدأ من إعادة تعريف الذات الجماعية، ويصل إلى تصور جديد للقانون، والتعليم، والاقتصاد، بل وحتى الأمن.
إنها تحاول أن تجيب على السؤال المؤجَّل منذ الاستقلال: ما هي الدولة السودانية؟ ومن يمثلها؟ وأي عقد اجتماعي يمكن أن يصمد أمام انهيار النخب وتفسخ الهويات؟ وهي في ذلك، تستكمل ما بدأه الأبروفيون، ولكن بأدوات جديدة وخطاب يراعي تعقيدات اللحظة التاريخية الراهنة.
السيادة تبدأ من القدرة على التعريف الذاتي
لقد آن أوان الاعتراف بأن من لا يملك القدرة على تسمية نفسه، لن يملك القدرة على تقرير مصيره. وأن الدولة لا تُبنى في القصور ولا تُخلق عبر الصدفة، بل تتشكل حين تمتلك الجماعة وعيها بذاتها، وتعيد إنتاج رموزها، وتضع عقدها الاجتماعي وفق ما تنسجم عليه لا ما يُفرض عليها.
من أبوروف إلى النهر والبحر، تتواصل مسيرة القومية الحضارية، لا بوصفها ماضياً يُستعاد، بل بوصفها مشروعًا يُستكمل، ورؤية يُعاد تجسيدها في جسد مؤسسي حي. إنها لحظة العودة إلى الذات، لا إلى التراث وحده؛ إلى المعنى، لا إلى الشكل؛ إلى الجذور الحضارية، لا إلى الحدود الجغرافية.
اقرأ ايضا: الخرطوم : نهاية أسطورة العاصمة السودانية – تراجيديا الإنسان وحنين المكان


