في ذكرى وفاة جون قرنق ديمابيور، القائد الذي لطالما رُوِّج له زوراً باعتباره “وحدويّاً”، بينما تكشف الوقائع والشهادات الموثقة أنه كان انفصاليًّا بامتياز منذ أواخر ثمانينات القرن الماضي، من الضروري إعادة قراءة سيرة الرجل بعيون الحقيقة لا الخرافة، والانطلاق من شهادات من عرفوه عن قرب، مثل البروفيسور تاج الدين الخزين، العالم السوداني المتخصص في علم الوراثة الجزيئية، والحاصل على الجنسية الكندية، والذي كان صديقاً شخصياً لقرنق، وأحد الميسرين الرئيسيين لاتفاق مشاكوس الإطاري، الذي مهد لاحقاً لاتفاقية نيفاشا (2005)، والتي بموجبها انفصل جنوب السودان عن الدولة الأم.
يؤكد البروفيسور الخزين أن جون قرنق كان يحمل مشروعاً انفصالياً واضحاً منذ أواخر الثمانينات، لكنه تعمّد إخفاء هذا التوجه لأسباب تكتيكية بحتة. فقد كان في تلك الفترة يعتمد اعتماداً كلياً على دعم الرئيس الإثيوبي الراحل منقستو هايلي مريام، الذي كان بدوره يخوض حربًا ضد الانفصاليين الإريتريين. ولذلك، فإن إعلان قرنق لطموحاته الانفصالية كان سيُفسَّر كدعم معنوي للمشروع الإريتري، ما كان سيؤدي إلى فقدانه أهم داعميه العسكريين، وهو ما عبر عنه الخزين بقوله: “كان منقستو يدعمه من الإبرة حتى الدبابة”.
ورغم الصورة التي جرى تسويقها عنه كقائد مثقف يحمل مشروعاً وحدويّاً ، فإن سجل قرنق العسكري والإنساني يكشف عن وجه آخر: وجه مشبع بالعنف والانتهاك المنظم لحقوق الإنسان. فمنذ بداية الحرب الأهلية الثانية، ارتكبت قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان، بقيادة قرنق، انتهاكات واسعة ضد المدنيين شملت القتل الجماعي، الاغتصاب، التجنيد القسري للأطفال، والتطهير العرقي.
توثيق المنظمات لجرائم جون قرنق والحركة الشعبية
ففي تقريرها الصادر عام 1994، وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش أن قوات الجيش الشعبي شاركت في انتهاكات ممنهجة ضد المدنيين، بما في ذلك عمليات الإعدام دون محاكمة، تجنيد الأطفال، وتدمير القرى. كما رصدت تقارير منظمة العفو الدولية حالات اغتصاب جماعي، ونهب، وانتهاكات ضد معسكرات النازحين. وفي عام 2001، أشار المقرر الخاص للأمم المتحدة إلى تورط قوات قرنق في جرائم ضد الإنسانية في جنوب السودان ومناطق التماس.
واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبت في عهد قرنق كانت “مجزرة بور” عام 1991، حينما شنت قوات تابعة للجيش الشعبي هجومًا على المدينة، مما أسفر عن مقتل ما يزيد عن 2000 مدني من قبيلة الدينكا، في سياق صراع داخلي بين جناحي الحركة. وقد وثّق الباحث دوغلاس جونسون في كتابه “جذور الحروب الأهلية في السودان” أن الحركة مارست عنفًا متعمدًا ضد المجتمعات الجنوبية المناوئة لها، كما استخدمت سياسة التجويع كسلاح.
كما أشارت تقارير برنامج الغذاء العالمي ومنظمات الأمم المتحدة إلى أن الجيش الشعبي قام بتهجير آلاف السكان قسرًا، وقطع الطرق أمام قوافل الإغاثة، بل واستخدم بعضها في دعم مجهوداته الحربية.
وفي حادثة تفضح العقلية العنيفة لقرنق، أقدمت قواته عام 1986 على إسقاط طائرة ركاب مدنية سودانية بصاروخ “سام-7″، ما أسفر عن مقتل جميع ركابها، دون أن يتعرض الجاني لأي مساءلة. بل على العكس، قام قرنق بمنح الجندي الذي أطلق الصاروخ وساماً على “بسالته”، بحسب ما أورده تقرير لصحيفة نيويورك تايمز.
تُظهر هذه الشهادات الموثقة أن المشروع الذي تبنّاه قرنق لم يكن يوماً مشروعاً وحدوياً، بل كان مشروعًا انفصاليّاً مغطّى بشعارات خادعة، ومسنوداً بإستراتيجية إعلامية ودبلوماسية محترفة، ساعدت على إعادة تدوير صورته في الأوساط الغربية والدولية، رغم السجل الدموي الذي يلاحقه.
جذور التمرد الجنوبي: ما قبل الاستقلال
لا يمكن فهم مشروع جون قرنق الانفصالي بمعزل عن السياق التاريخي الأوسع للجنوب السوداني، الذي شهد بوادر التمرد حتى قبل نيل السودان استقلاله في 1956. فمنذ الحكم الثنائي (الإنجليزي-المصري)، اتبعت السلطات البريطانية سياسة “المناطق المقفولة”، التي عزلت الجنوب ثقافيًا وتعليميًا وإداريًا عن الشمال، وعمّقت الفروقات اللغوية والدينية، وأسّست لنوع من الهوية المغايرة في الجنوب، يتم تمييزها عن “الآخر” الشمالي المسلم الناطق بالعربية.
وعشية الاستقلال، شعر قادة الجنوب بالغدر، حيث لم تُؤخذ مطالبهم الخاصة بالفيدرالية أو الحكم الذاتي بجدية، ما دفع ضباطًا جنوبيين في الجيش السوداني لقيادة تمرد توريت عام 1955، في واحدة من أولى إشارات الانفصال الفعلي، رغم أن السودان لم يكن قد نال استقلاله رسميًا بعد.
حركة أنانيا 1: أول تمرد منظّم
مع بداية ستينات القرن العشرين، تأسست حركة “أنانيا 1” كأول حركة تمرد مسلحة في جنوب السودان، حملت السلاح ضد الحكومة المركزية مطالبةً بالاستقلال. وقد استمرت هذه الحرب حتى توقيع اتفاقية أديس أبابا عام 1972، التي منحت الجنوب حكمًا ذاتيًا محدودًا، لكنها لم تعالج جذور الأزمة العميقة، بل جرى تقويضها لاحقًا من قِبل الرئيس جعفر نميري في 1983، عندما ألغى الحكم الذاتي وأعاد تقسيم الجنوب، وأعلن تطبيق الشريعة الإسلامية على كامل البلاد.
أنانيا 2 وولادة الجيش الشعبي
في أعقاب نقض اتفاقية أديس أبابا، ظهرت حركة أنانيا 2، كامتداد للتمرد الأول، ولكنها اختلفت في بنيتها وتوجهها عن الحركة الجديدة التي أسسها جون قرنق. ففي حين كانت أنانيا 2 تحمل رؤية انفصالية صريحة، كان قرنق في بداياته يرفع شعار “السودان الجديد”، ويعارض التوجه الانفصالي لأنانيا 2. إلا أن الواقع السياسي والتكتيكات المرحلية، كما أوضحت شهادات مثل شهادة البروفيسور تاج الدين الخزين، كشفت لاحقًا أن قرنق نفسه كان يحمل نفس الرؤية، ولكن بصورة أكثر براغماتية ومراوغة سياسية.
نظرة الجنوبيين للشماليين: إرث الاستعلاء والتهميش
على مدى عقود، ترسّخت لدى قطاعات واسعة من الجنوبيين نظرة سلبية تجاه الشماليين، نتيجة مزيج من العوامل التاريخية والثقافية والسياسية. فالتهميش التنموي، والإقصاء السياسي، والاستهانة بالهويات غير العربية، ولّد إحساسًا عميقًا بالاضطهاد واللاانتماء. كما غذّت بعض التيارات التبشيرية والدول الغربية هذا الشعور عبر تصوير الشمال كقوة استعمارية داخلية تفرض الإسلام والعروبة على مكونات السودان المتعددة.
وقد وظف جون قرنق هذه المشاعر بذكاء، فصاغ خطابه على نحو يُبرز النقيض بين “السودان المهمش” و”السودان النيلي”، في محاولة لكسب تأييد كافة الهامش السوداني، وليس فقط الجنوب، ضمن شعارات فضفاضة مثل “السودان الجديد”، التي كانت، في جوهرها، مجرد غطاء مرحلي لمشروع تفكيكي، بلغ ذروته في انفصال الجنوب عام 2011.
إن إعادة قراءة سيرة جون قرنق، بعيدًا عن الهالة الرومانسية التي أحاطته بها بعض النخب والمجتمعات الدولية، تكشف عن زيف السردية الوحدوية التي رُوّج لها طويلًا. فالوثائق، والشهادات المباشرة، والسجل الميداني لحركته المسلحة، تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن مشروع قرنق كان انفصاليًا منذ نشأته، وإن تم تغليفه بخطاب وحدوي تكتيكي لاعتبارات ظرفية.
كما أن التمرد الجنوبي لم يكن وليد لحظة أو فرد، بل هو امتداد لتاريخ طويل من التهميش، وسوء الإدارة، وغياب الرؤية الوطنية الشاملة التي تعترف بالتنوع لا تتجاوزه. فقد فشلت النخب السودانية، شمالًا وجنوبًا، في بناء دولة جامعة، فاستفحلت الصراعات، وتعمّق الشرخ، حتى بلغ ذروته بالانفصال.
إن سردية “السودان الجديد” التي حمل لواءها جون قرنق ، لم تكن سوى واجهة لما كان في العمق مشروعًا للتفكيك والانفصال. واليوم، بعد أكثر من عقد على انفصال الجنوب، تظهر النتائج الكارثية لهذا المسار، سواء في دولة الجنوب الغارقة في الحرب الأهلية، أو في الشمال الذي ظل يعاني من أزمات الحكم والهوية والوحدة الوطنية.
لذلك، فإن استدعاء الحقيقة، مهما كانت قاسية، هو شرطٌ ضروري لفهم الماضي، والتأسيس لمستقبل مختلف. مستقبل لا تُصاغ فيه السرديات على مقاس الرغبات السياسية، بل تُبنى على وقائع التاريخ، وعدالة الشهادة، وصدق التحليل.
اقرأ ايضا: إلغاء اجتماع الرباعية : مؤشرات ما تحت الطاولة … ومستقبل دارفور


