Site icon الديوان

وهم “التمازج التاريخي” بين وادي النيل والهامش: قراءة في لحظة الخطر

وادي النيل والهامش

وادي النيل والهامش

لطالما جرى تصوير السودان على أنه ساحة تمازج وتلاقح بين مكوناته المختلفة، خاصة بين سكان وادي النيل ومجتمعات الهامش—من الغرب إلى الجنوب الشرقي وحتى تخوم تشاد وإثيوبيا. يُستشهد بمواقف فردية أو لحظات انتقائية من التاريخ، للتأكيد على سردية “التنوع الخلّاق” و”التعايش الأبدي”، وكأن هذه الحالة تمثل قاعدة تاريخية ثابتة.

لكن هذه القراءة تتجاهل حقيقة أعمق: كل لحظة تاريخية امتلكت فيها المجموعات المسلحة على الهامش أدوات القوة، لم تتجه نحو الانخراط في نسيج الدولة، بل صوب المركز، طمعًا في الهيمنة لا في الشراكة. والمركز هنا لم يكن إلا وادي النيل، بقراه ومزارعه ومدنه وتاريخه المرتبط بفكرة الدولة منذ آلاف السنين.

من يقرأ التاريخ بتأنٍ، بعيدًا عن النزعة الرومانسية، يدرك نمطًا متكرراً: القوة عندما تنتقل إلى خارج المركز، تتحول إلى مطرقة فوق رؤوس سكانه، لا جسراً نحو تكامل وطني. وها نحن اليوم نعيش فصلاً جديدًا من هذا النمط، في لحظة تشهد فيها البلاد انهياراً سيادياً شاملاً، جعل من القلب الزراعي والثقافي للسودان—أي وادي النيل—منطقة مكشوفة لتهديدات وجودية.

لم تعد المسألة مجرد خلاف داخلي. القوى التي تتقدم نحو هذا الشريان الحيوي ليست نتاجاً للحرب الأهلية وحدها، بل امتداداً لثقافة رعوية ومليشياوية لا تعترف بالحدود ولا بمفهوم الدولة. هذه المليشيات، التي تنحدر من تخوم الصحراء الكبرى وغرب إفريقيا، تتعامل مع الأرض بمنطق الغنيمة: من يسيطر على الجدول يطرد من حوله، ومن يملك السلاح يسلب من لا حول له.

وما يغري هذه القوى أكثر هو الانكشاف الكامل الذي يعانيه الإقليم النيلي: ضعف الدفاع، غياب التنظيم المجتمعي، وتفكك الهياكل المركزية. إنها لحظة ضعف تاريخية يتحوّل فيها وادي النيل من مركز جاذب للتعايش، إلى ساحة محتملة لتحوّل ديمغرافي قسري يعيد رسم ملامح السودان.

في خضم هذا المشهد، يصبح من الضروري مساءلة خطاب “التمازج التاريخي”. هذا الخطاب الذي يروّج لفكرة الانصهار، أصبح أداة تبريرية تخفي ما يجري على الأرض من زحف منظم نحو قلب البلاد. ما يحدث ليس استمرارًا لتاريخ من “التنوع”، بل مشروع هيمنة تمضي على أنقاض الدولة، وتُغلف بلغة التعايش لتخدير الحس السيادي لدى سكان المركز.

لذا، فإن الحديث عن حماية السيادة لا يمكن أن يكتمل دون التوقف الجاد أمام مصير وادي النيل، ليس كرمز، بل كحقيقة مادية وديمغرافية تشكل العمود الفقري لبقاء السودان كوحدة سياسية. إن لم تُحمَ هذه المنطقة من التهديدات الزاحفة، فلن يكون هناك مركز يُبنى عليه مستقبل الوطن.

إعادة تعريف العلاقة بين المركز والهامش تبدأ من مواجهة الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يبدو. وقد آن الأوان لتجاوز الخطابات البلاغية، والعمل على بناء مشروع سيادي جديد، يعيد الاعتبار لفكرة الدولة، ويحمي مناطقها الحيوية من الانهيار.

اقرأ ايضا: التكرار القاتل: حين تصر الدولة على إعادة أخطائها

Exit mobile version