وقّعت الحكومة السودانية اتفاق جوبا للسلام، في لحظة سياسية حرجة، تحت ضغوط غير متكافئة فرضتها ميليشيات دارفور التي تفاوضت فيما بينها على أسس قبلية ومناطقية، وبعيدًا عن منطق الدولة ومؤسساتها، أملاً في الوصول إلى تسوية تنهي دوامة الحرب وتحقيق السلام في الإقليم المنكوب. إلا أن ما جرى بعد ذلك أثبت أن الاتفاق لم يكن سوى تكتيك مؤقت من قِبل أمراء الحرب للسيطرة على مفاصل الدولة، واستغلال حالة الضعف السياسي في الخرطوم لتحقيق مكاسب على الأرض، دون أي اعتبار لمصلحة المواطن، لا في دارفور ولا في بقية أنحاء السودان.
أولًا: الخرطوم تحت الابتزاز السياسي والعسكري
لم تكن المفاوضات التي سبقت اتفاق جوبا عملية سلام حقيقية، بل كانت خضوعًا لابتزاز ميليشيات مسلحة فرضت أجندتها من خلال سطوتها العسكرية. هذه الجماعات، التي تفاوضت فيما بينها على خلفيات عنصرية وقبلية، لم تكن تمثل مشروعًا وطنيًا، بل تسعى للاستحواذ على السلطة والثروة عبر فوهة البندقية.
الحكومة السودانية، رغم التحفظات الكبيرة، وقعت على الاتفاق رغبة منها في إيقاف نزيف الحرب، وتجنيب البلاد المزيد من التدهور، خاصة بعد سنوات من الصراع في دارفور الذي شهد أعمال قتل ونهب وقطع طرق وتخريب للبنية التحتية، على يد جماعات تزعم أنها تحارب الحكومة.
ثانيًا: إقليم دارفور خارج سيطرة الدولة بالكامل
اليوم، بعد مرور وقت على توقيع اتفاق جوبا، بات من الواضح أن إقليم دارفور لم يعد جزءًا فاعلًا من الدولة السودانية من حيث السيادة الفعلية. بل إن معظم المليشيات التي وقّعت الاتفاق انضمت لاحقًا إلى قوات الجنجويد، وشاركت في الحرب المفتوحة ضد الدولة.
حميدتي، الذي كان مهندس الاتفاق، واستفاد منه بالحصول على نسب في شركات حكومية ومنصب نائب رئيس مجلس السيادة، يقود الآن حربًا شرسة تسببت في خسائر مهولة على المستويين الاقتصادي والبشري، تقدّر بأكثر من تريليون دولار. ما جرى في السودان بعد توقيع الاتفاق لا يُشبه السلام بأي حال، بل هو انتقال للحرب من أطراف البلاد إلى مركزها، حيث الخرطوم ومدن أخرى ظلت لسنوات تنعم بالأمن.
ثالثًا: أين قدسية الاتفاق إن لم يحقق السلام؟
في الوقت الذي كان يُفترض أن يُنهي اتفاق جوبا الصراع، تفاقمت الأزمات. الاتفاق لم يُسكت صوت البندقية، ولم يُحقق أمنًا في دارفور، بل سمح بنقل الحرب إلى قلب السودان. إذن، ما قدسية هذا الاتفاق إن لم يُحقق أبسط أهدافه؟
ليس ذلك فحسب، بل أصبح الاتفاق ذاته عبئًا على الدولة السودانية، خاصة مع تعقيدات الواقع الجديد، إذ لا يمكن تطبيق بنوده على الأطراف التي تغيرت مواقعها وتحالفاتها. بل إن مواصلة الالتزام به، في حال بدء مفاوضات جديدة، ستؤدي إلى تفاقم تمثيل إقليم دارفور في السلطة، على حساب بقية الأقاليم، مما يهدد وحدة الدولة ويعزز الشعور بالتهميش في مناطق أخرى بدأت بالفعل تظهر فيها بوادر تمرد.
اليوم، تمثل القوى الدارفورية ما نسبته نحو 60 إلى 70% من مكونات الحكم، في ظل غياب تمثيل حقيقي لبقية السودان، وهو ما يعمق الانقسامات الداخلية ويدفع نحو مزيد من الفوضى.
رابعًا: مواطن دارفور.. الخاسر الأكبر
الاتفاق، الذي قُدّم على أنه طريق لتحقيق السلام والعدالة لمواطني دارفور، لم يحقق أي مكسب ملموس لهم. لا تزال الأوضاع الإنسانية في الإقليم كارثية، مع وجود أكثر من مليون نازح داخل السودان، ومثلهم في دول الجوار. هؤلاء لم يجدوا حتى الآن سبيلًا للعودة، ولا ضمانات للحماية، ولا حتى مشاريع تنموية تُنهي معاناتهم المزمنة.
كل ذلك يشير إلى أن الاتفاق خدم النخب السياسية والمسلحة أكثر مما خدم المواطن البسيط الذي كان يحلم بسلام حقيقي، يفتح أبواب المدارس، ويُعيد الحياة للمزارع، ويضمن الأمن على الطرق، لا أن يتحول إلى غطاء جديد للنهب والسيطرة.
خامسًا: اتفاق جوبا كمنصة للارتزاق السياسي
تحوّل الاتفاق إلى أداة ارتزاق سياسي، يتاجر من خلالها قادة المليشيات بقضية دارفور، ويدّعون تمثيلها، بينما يمارسون النهب والسيطرة على موارد الدولة، مستغلين حالة الانفلات الأمني، وغياب الرقابة الحكومية، وتعطل مؤسسات الدولة بفعل الحرب.
قوات هذه المليشيات تفرض وجودها في المدن الآمنة، وتستخدم هذا الوجود كورقة تهديد للحكومة: إما التمكين السياسي والمناصب، أو العودة إلى الحرب والفوضى. هذا النمط من التعامل السياسي يُعتبر سابقة خطيرة في التجارب العالمية، حيث يتحوّل أمراء الحرب إلى مسؤولين حكوميين يهددون مواطنين على أسس عرقية، دفاعًا عن كراسي حصلوا عليها بقوة السلاح.
سادسًا: شرعنة التمرد وخلق بيئة لتفريخ المليشيات
رضوخ الدولة لهذا النوع من الابتزاز يُعد بمثابة شرعنة للتمرد، وفتح الباب على مصراعيه أمام كل عاطل أو زعيم قبلي في دارفور لتشكيل ميليشيا جديدة، طمعًا في الثروة والسلطة. بهذه الطريقة، يتحوّل السلاح إلى وسيلة مشروعة للوصول إلى السلطة، ويتحوّل السودان إلى بيئة طاردة للمشاريع السياسية الوطنية، وحاضنة للفوضى والاقتتال.
الانطباع السائد الآن هو أن الطريق إلى المناصب يمر عبر البندقية، لا عبر صناديق الاقتراع أو العمل السياسي المدني، وهو ما يُهدد مستقبل الدولة السودانية ككل، ويجعلها في مهب الانهيار الشامل.
سابعًا: لا مشروع سياسي موحد في دارفور
فشلت كل اتفاقيات السلام السابقة – من أبوجا إلى الدوحة، مرورًا بجوبا، ووصولًا إلى جدة والمنامة – في تحقيق الاستقرار، لأن دارفور تفتقر إلى مشروع سياسي موحد. النخب الدارفورية تمارس السياسة من بوابة القبلية، وكل “حركة تحرير” ليست إلا واجهة لقبيلة بعينها تسعى للحصول على نصيبها من السلطة، ولا تعبر عن تطلعات الإقليم بأكمله.
بمجرد توقيع اتفاق مع حركة مسلحة، تظهر أخرى تدّعي التهميش وتطالب بالتمثيل، وتُكرر المطالب نفسها تحت مسميات مختلفة. وبذلك، تدخل الدولة في دوامة لا تنتهي من المفاوضات العبثية، دون أن تصل إلى حل جذري يضمن وحدة السودان واستقراره.
خاتمة: إلى أين يمضي السودان؟
إن اتفاق جوبا، بدلًا من أن يكون بوابة للسلام، تحول إلى أداة تدمير ممنهج للدولة السودانية، سياسيًا وأمنيًا واجتماعيًا. لقد أُفرغ من مضمونه، وجرى توظيفه لخدمة أجندات جهوية ضيقة على حساب الوطن ككل.
الإبقاء عليه بصيغته الحالية لا يخدم أحدًا، سوى أمراء الحرب، ويعمق الانقسامات بين أبناء الوطن، ويهدد كيان الدولة.
لابد من مراجعة جذرية لمسار السلام في السودان، تبدأ من إعادة تعريف مفهوم التمثيل، وبناء مشروع سياسي وطني جامع، ينهي منطق السلاح، ويؤسس لمواطنة متساوية، وعدالة شاملة، وسلام مستدام.


