لم يكن الشهيد عبد السلام عوض سوى رجل بسيط من حي الثورة – الحارة العاشرة، يعيش حياة متواضعة، لا صِلة له بالسياسة أو الأضواء. لكنه أصبح، دون أن يدري، عنوانًا لمرحلة مظلمة تتآكل فيها مؤسسات الدولة من الداخل، وتتحول فيها القوات التي يفترض بها أن تحمي المواطنين إلى أدوات للقمع والتعذيب والنهب.
قضية عبد السلام ليست حادثة فردية معزولة كما يحاول البعض تصويرها، بل هي نقطة مفصلية تكشف عن بنية متصدعة لأجهزة الدولة الأمنية والقضائية، وتُعرّي العلاقة القاتلة بين الميليشيات المسلحة وبعض عناصر الشرطة، الذين تقاسَموا الجريمة من أول لحظة حتى نهايتها المأساوية.
عبدالسلام عوض والإجبار على التنازل عن منزله
بدأت القصة بخلاف مدني معتاد بين عبد السلام وإحدى المستأجرات في منزله، وهي بائعة شاي تنتمي إثنيا لإحدى الحركات المسلحة الدارفورية. رفضت دفع الإيجار، وهددته صراحة بأنها “ستُريه من يكون الأقوى”. لم تمر ساعات حتى حضر مسلحون يرتدون زي “القوات المشتركة الدارفورية”، واقتادوه بالقوة من منزله، دون أمر قبض، أمام أعين الجيران.
القوات المشتركة الدارفورية هذه – والتي تتألف من عناصر من الحركات المسلحة تعمل دون إطار قانوني واضح – لم تكتفِ بالضرب المبرح خلال عملية الاختطاف، بل فبركت لاحقًا بلاغًا خطيرًا يتهم عبد السلام باغتصاب طفلة عمرها 7 سنوات، زُعِم أنها ابنة المستأجرة، رغم عدم وجود تقرير طبي، أو تحقيق قانوني مستقل.
نُقل الضحية لاحقًا إلى أحد أماكن الاحتجاز السرية التابعة للميليشيا، حيث تعرض لتعذيب ممنهج وشديد. هذا التعذيب لم يقتصر على الاعتداء الجسدي الوحشي، من الضرب بالقضبان الحديدية والكيّ بالنار الذي ترك آثارًا بشعة على جسده، بل امتد ليشمل التعذيب النفسي والإذلال العنصري، بهدف كسر إرادته وإخضاعه. إضافة إلى ذلك، حُرم من أبسط حقوقه الإنسانية من خلال حرمانه من الماء والطعام، مما أدى إلى تدهور حالته الصحية بشكل كارثي. لتكتمل فصول الجريمة، تم إجباره على التوقيع على تنازل عن ملكية منزله، مما يُبرز أن الهدف من هذا التعذيب لم يكن مجرد العقاب، بل كان جزءًا من مخطط ممنهج لابتزاز وسلب ممتلكاته.
وحين بدأت حالته الصحية في التدهور، أُلقي به في قسم شرطة الثورة الرابعة، حيث أكمل بعض عناصر الشرطة فصول الجريمة بالصمت، وربما التواطؤ، عبر حجزه دون فتح بلاغ، ومنع أسرته من زيارته أو إدخال طعام له. وفي القسم، أُجبر عبد السلام على تقاسم الزنزانة مع شقيق المستأجرة، الذي ظل يُساومه: “تنازل عن البيت تُسحب التهمة”. وعندما نُقل أخيرًا إلى المستشفى، وُجد جسده النحيل مغطى بالنمل، تنبعث منه روائح تعفن، وتظهر عليه بوضوح آثار الضرب والتجويع.
في صباح أول أيام عيد الأضحى، أسلم عبد السلام الروح، بينما ظل الجناة طلقاء، وبعضهم لا يزال يمارس سلطته “الشرعية” داخل الأجهزة الأمنية.



انهيار المؤسسية: من الجنجويد إلى النسخة الرسمية
ما حدث لعبد السلام يعكس بوضوح أساليب الجنجويد المعهودة في دارفور: من تلفيق التهم، إلى التعذيب الوحشي الممنهج، والسرقة، والانتهاك الصارخ للإنسانية. الفرق الجوهري هذه المرة هو أن بعض منفذي هذه الجريمة يرتدون زي الدولة ويتحدثون باسم القانون، مما يُضفي على أفعالهم غطاءً زائفًا من الشرعية ويزيد من خطورتها على المجتمع. إن وجود الحركات المسلحة في المناطق الآمنة والقرى لا يُبرر، ويجب أن يكون مكانها الوحيد في مناطق العمليات العسكرية إن لزم الأمر، مع ضرورة إخراجها فورًا من المناطق المدنية لضمان أمن وسلامة المواطنين.
هذه الحادثة ليست سوى واحدة ضمن سلسلة حوادث متكررة في الفترة الأخيرة:
- في الدبة، خلاف بين جندي وثلاثة حلاقين انتهى بإطلاق نار ومقتل اثنين.
خروج حركات دارفور المسلحة قضية رأي عام : جريمة الدبة ! - في الدامر، تم الاعتداء على سائق مسن خرج من مؤسسة حكومية.
الخطر القادم : ميليشيات الحركات المسلحة الدارفورية - في دنقلا، احتجز الأهالي عناصر من المليشيات بعد اعتداءات، فتم اقتحام الحامية العسكرية لتحريرهم.
- في القضارف والخرطوم، نُهبت المتاجر، وتعرضت الطواقم الطبية للضرب، والنساء للمضايقات، والباعة الجائلون للملاحقة.
كل ذلك يُشير إلى مليشيا تسير داخل المدن بأسلحة كاملة، دون رقيب أو هدف عسكري، بل تمارس سلطتها على المدنيين وكأنها دولة داخل الدولة.
تواطؤ عرقي ومؤسسي: من يحمي القتلة؟
تُؤكد التحقيقات الميدانية وشهادات شهود العيان وجود تواطؤ واضح ومُقلق داخل أجهزة الشرطة والنيابة. يتجلى هذا التواطؤ في كون العديد من الكتبة والمحضرين ينتمون إلى ذات الإثنيات التي ينتمي إليها الجناة، مما يُسهّل عملية تسويف البلاغات أو دفنها تمامًا. كما يتم التلاعب بالأدلة من خلال كتابة تقارير طبية بطريقة تُخفي آثار التعذيب، وتصل الجرأة إلى حد تهديد الشهود إن فكروا في الإدلاء بشهاداتهم، مما يُغلق أبواب العدالة ويُرسّخ الإفلات من العقاب.
والأخطر، أن بعض أفراد القوات المشتركة يعتبرون المحاسبة “هجومًا عنصريًا”، ويُحتمون بخطاب قبلي يحول الجريمة من قضية قانونية إلى صراع إثني. هذا النوع من التسييس يُعيد إنتاج نموذج فاشل دمّر مؤسسات الدولة، ويمنح القتلة حصانة قبلية بدلاً من العدالة القانونية.
دعوات للمحاسبة والحلول الممكنة
لجان المقاومة في حي الثورة، وعدد من الناشطين القانونيين والحقوقيين، رفعوا صوتهم بمطالب واضحة لقضية عبد السلام عوض:
- فتح تحقيق عاجل وشامل ومستقل بإشراف النائب العام ومجلس القضاء الأعلى.
- اعتقال ومحاسبة كل المتورطين: من أفراد القوات المشتركة إلى عناصر الشرطة والأطباء المزورين.
- كشف الحقائق كاملة وتمكين أسرة الشهيد من الاطلاع على تقارير التشريح الطبية، وتوثيق الجريمة.
- ضمان حماية الشهود الذين عاينوا لحظة الاختطاف أو آثار التعذيب داخل القسم.
- إبعاد القوات المسلحة غير النظامية عن المدن، وسحب سلاحها، وتحجيم دورها، أو دمجها وفق معايير صارمة أو تسريحها بالكامل.
- تراسم الشهيد عبد السلام، بوصفه أحد ضحايا التعذيب والانهيار المؤسسي، وإطلاق حملة وطنية تحمل اسمه لتوثيق الجرائم المماثلة.
اقرأ ايضا: الخطر القادم : ميليشيات الحركات المسلحة الدارفورية
الخلاصة: هل تنجو الدولة أم يبتلعها السلاح؟
إن قضية عبد السلام تتجاوز كونها مجرد حادثة قتل فردية، لتضع الدولة السودانية أمام سؤال وجودي حاسم: هل هي حقًا دولة قانون تُصان فيها كرامة الإنسان وحقوقه، أم أنها تتحول إلى دولة مليشيا تُبيح التعذيب والقتل ورمي جثث الأبرياء دون أدنى مساءلة؟ هذا السؤال يكتسب أهميته من فداحة الجريمة التي وقعت في ليلة العيد، حيث قُتل رجل ظلمًا وبوحشية. إن السكوت عن هذه الجريمة، كما جرى في غيرها من الانتهاكات، لا يُعد حيادًا بأي حال من الأحوال، بل هو تواطؤ صريح يُؤسس لجمهورية من الخوف والفوضى والنهب. فالعدالة اليوم لم تعد مجرد ترف أو مطلب حقوقي ثانوي، بل أصبحت شرطًا أساسيًا لا غنى عنه لبقاء السودان موحدًا ومستقرًا وآمنًا. رحم الله عبد السلام، ولتكن دماؤه الطاهرة صرخة مدوية تُوقظ الضمائر وتُطالب بمحاسبة كل من خان القانون، وارتدى زي الدولة ليمارس به أبشع صور الجريمة.
اقرأ ايضا: «شرق السودان» على حافة الفوضى مع انتشار الحركات المسلحة
