منذ اندلاع نزاع دارفور مطلع الألفية، ظل السلاح والاقتصاد متلازمين؛ فالحركات المسلحة لم تكن كيانات سياسية مجردة، بل مؤسسات تعيش على اقتصاد الحرب. هذا ما تؤكده تقارير فريق الخبراء الأمميين، وخاصة تقرير عام 2020، الذي كشف أن تلك الحركات—even بعد توقيعها اتفاق جوبا للسلام—لم تتخل عن منابع رزقها، بل أعادت تدويرها عبر مسارات جديدة: ليبيا، مناجم الذهب، وشبكات التمويل الإقليمي.
لكن مع تعقّد الأزمة واستعصاء الحلول، يبرز خيار مختلف يرى أن الخلاص الجذري لا يكون عبر سلام هش أو مشاريع مؤقتة، بل عبر مشروع النهر والبحر: انفصال أقاليم الوسط والشمال والشرق عن دارفور، لقطع دائرة التمرد والارتزاق التي أنهكت السودان لعقود.
ليبيا: سوق المرتزقة العابرة للحدود
لم يعد السؤال يدور حول “مطالب دارفور السياسية”، بل حول جدوى بقاء الحركات خارج الحرب كمصدر عيش. فالتقرير يوضح أن حركات وقّعت على اتفاق السلام واصلت العمل في ليبيا كمرتزقة، تحرس مواقع عسكرية أو تؤمّن خطوط إمداد لقوات حفتر. هنا يتبدى التناقض: النضال الذي رُفع شعاراً للتحرير، صار في بعض جوانبه سلعة معروضة في أسواق الحرب.
كانت ليبيا ولا تزال مختبراً مفتوحاً لاستقطاب المقاتلين الدارفوريين. التقرير أشار إلى أن “الارتزاق” مثل مصدر دخل رئيسياً لتلك الحركات، بتمويل لعبت فيه أطراف إقليمية، خصوصاً الإمارات، دور الوسيط. المفارقة صارخة: حركات وُلدت بدعوى رفع التهميش عن دارفور، تحولت إلى جزء من ماكينة حرب خارجية، تبيع البندقية مقابل المال والنفوذ.
فلسفة السلاح: من وسيلة للتغيير إلى وسيلة للبقاء
في الداخل السوداني، تحول الذهب إلى المورد الأهم في اقتصاد الحرب. سيطرة بعض الحركات على مناجم جبل مرة وغيرها وفرت لها “ميزانية موازية”، تُصرف على الرواتب والسلاح وبسط النفوذ. وكما في تجارب كثيرة حول العالم، تحوّل المعدن النفيس من رمز للثروة والتنمية إلى لعنة تغذي الصراع وتُسفك بسببه الدماء.
التقرير لا يتهم الحركات بخيانة قضاياها، لكنه يكشف أزمة بنيوية: حركات بدأت بوصفها ممثلة للمهمشين، لكنها اليوم رهينة اقتصاد العنف. السؤال الفلسفي يفرض نفسه: هل يمكن لحركة مسلحة أن تستمر عقدين دون أن تتحول إلى اقتصاد قائم بذاته؟ هنا يستحضر قول ماكس فيبر عن “تحول الوسيلة إلى غاية”: فالبقاء المسلح أصبح هدفاً بذاته، والحد الفاصل بين “المقاتل” و”المرتزق” يتلاشى.
سلام على الورق وحرب في الأسواق
أخطر نتائج هذا الواقع هو تقويض الثقة في اتفاقيات السلام. كيف لمجتمعات محلية أن تصدق التزامات حركات وقّعت في جوبا بينما مقاتلوها يتقاضون رواتبهم من حرب في ليبيا أو من ذهب المناجم؟ وكيف تنجح العدالة الانتقالية وسط بنية عسكرية ترفض الذوبان في الدولة لأنها تعيش على موارد مستقلة؟
إن قراءة تقرير الخبراء لعام 2020 تكشف مأساة مركبة: اتفاق سلام يَعِدُ بطي صفحة الحرب، فيما أسواق الارتزاق تفتح صفحات جديدة. وهنا يتضح أن استمرار التمرد لن يُوقفه تفاوض ولا ذهب ولا سلاح، بل حسم جذري يعيد رسم الخريطة.
فـ مشروع النهر والبحر—القائم على انفصال الوسط والشمال والشرق عن دارفور—يطرح نفسه كخيار قاسٍ لكنه واقعي: إنهاء ابتزاز الحركات المسلحة، وقطع شريان الارتزاق العابر للحدود، وفتح الطريق أمام دولة متماسكة في النهر والبحر، تترك دارفور لخياراتها، بينما يبني بقية السودان سلاماً مستقراً على أرضه.
اقرأ ايضا: من أين أتت عبارة نهري عظيم : قراءة في كتاب العادات المتغيرة في السودان النهري

