Site icon الديوان

البرهان: الجنرال الذي سلّم الدولة للحركات المسلحة

البرهان

البرهان

في لحظة مفصلية من تاريخ السودان، يظهر الفريق أول عبد الفتاح البرهان، القائد العام للقوات المسلحة، لا كمن يحمي الدولة، بل كمن يقود أكبر عملية تفكيك مؤسسي تشهدها البلاد منذ الاستقلال. فقد تحوّل الرجل، الذي كان يُفترض أن يكون حارس السيادة الوطنية، إلى عرّاب تفكيك الدولة السودانية، ليس فقط عبر انقلابه على الحكومة المدنية، بل من خلال فتح أبواب الدولة على مصراعيها أمام الحركات المسلحة، وتسليمها مفاتيح السلطة بلا قيد أو شرط.

البرهان : من “حارس الدولة” إلى شريك في تقويضها

منذ توقيعه على اتفاق جوبا للسلام، اختار البرهان أن يضع يده في يد الحركات المسلحة، ليس وفق رؤية وطنية، بل بمنطق الصفقات السياسية قصيرة النظر. فتقاسم معهم السلطة والثروة، وقام بإعادة تموضعهم داخل مؤسسات الحكم، لا على أساس الكفاءة أو الولاء للوطن، بل وفق مبدأ الغنائم السياسية.

لم يكن البرهان قائدًا ذا مشروع، ولا رجل دولة يبني رؤية، بل ظهر كموظف إداري في جهاز مفكك، يُدير البلاد بمنطق الترضيات، ويسترضي أمراء الحرب بدلاً من مواجهتهم. فتح الوزارات لمن لا يؤمن بالدولة، ووزّع الولايات على من كانت بندقيته موجهة يومًا ما إلى قلب العاصمة، وأغرق أجهزة الدولة بكيانات لا تمتلك أي تصور لبناء وطن، بل تسعى لتفكيكه وتفتيته على أسس جهوية وعرقية.

إعادة إنتاج الكارثة: من حميدتي إلى الحركات المسلحة

ما يجعل تجربة البرهان أكثر فداحة، أنه لم يتعلّم من خطأه القاتل مع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، حين منح الدعم السريع سلطات أمنية واقتصادية خارج أطر الدولة، مما انتهى لاحقًا بحرب دموية مزّقت العاصمة ومزّقت معها البلاد. واليوم، يعيد البرهان التجربة نفسها، بل بجرأة أكبر، مع الحركات المسلحة التي أُدخلت إلى القصر الجمهوري وأعطيت نصيب الأسد من السلطة، وكأن الخراب لم يكن درسًا كافيًا.

حميدتي استخدم تفويضه ليبني جيشًا داخل الجيش، والحركات المسلحة تستخدم شرعية اتفاق السلام لتأسيس دويلات داخل الدولة. كلاهما خرجا من عباءة البرهان، وكلاهما يشتركان في شيء واحد: الاستفادة من ضعف الرجل الذي سلّمهم كل شيء ثم تراجع إلى الخلف، يوقّع ويبرر ويبرأ نفسه من كل مسؤولية.

الحركات المسلحة: من “شركاء سلام” إلى أمراء سلطة

لم تكن الحركات المسلحة يومًا حركات دولة. بل كانت – ولا تزال – حركات تسعى لتثبيت مصالح جهوية عبر أدوات القوة والمساومة. وما كان ينبغي أن يكون اتفاق سلام شاملًا ومُصلحًا، تحوّل إلى حصص سياسية، وامتيازات اقتصادية، ومواقع سيادية، مُنحت على أساس الرضا، لا على أساس الكفاءة ولا الوطنية.

اليوم، أصبحت وزارات سيادية تُدار بمنطق المليشيا، وأصبحت قرارات الدولة تُصاغ من غرف مغلقة يتحكّم فيها من لم يضعوا لبنة واحدة في بناء المؤسسات، بل دخلوا السلطة كفاتحين لا كشركاء. لقد سمح البرهان لهم أن يتوغّلوا في الجغرافيا والإدارة والقرار، حتى بات من الصعب التمييز بين “الدولة” و”الحركة”، بين “الجيش” و”الميليشيا”، بين “القائد العام” و”منفّذ التعليمات”.

غياب المشروع.. غياب الهيبة

أسوأ ما يمكن أن يُقال عن عبد الفتاح البرهان، أنه قائد بلا رؤية، وبلا مشروع. لا يملك تصورًا للدولة، ولا خطابًا وطنيًا جامعًا، ولا قدرة على الحسم أو التوجيه. كل قراراته تنبع من هواجس السلطة لا من مسؤوليات الدولة. يُراكم التحالفات الهشة، ويهرب من المواجهة، ويترك الخراب يتمدد تحت عباءته.

خصومه الإسلاميون كانوا على الأقل يمتلكون مشروعًا – مهما اختلفت معه – أما هو، فلا يملك شيئًا سوى الرغبة في البقاء. يتخبط بين مراكز القوى، يخشى الشارع، ويرتجف من الحركات المسلحة، ويعيد تدوير أزمات البلاد بدلًا من مواجهتها.

البرهان بين الفشل والتواطؤ

السؤال الذي يطرحه كثيرون اليوم: هل ما فعله البرهان ناتج عن الضعف السياسي؟ أم أن ما جرى تواطؤ مكشوف مع قوى تفكيك الدولة؟ في الحالتين، النتيجة واحدة: الخراب. فهو المسؤول الأول عن إدخال أمراء الحرب إلى قلب الدولة، وهو من أعاد إنتاج الأزمة الأمنية، وهو من سمح باندلاع الحرب ثم وقف متفرجًا، لا يملك من أدوات الفعل سوى التوقيع.

لم تعد العاصمة تحت سيطرته، ولم يعد الجيش مؤسسة موحدة، ولم تعد الدولة تُدار من مركز واحد. والسبب؟ البرهان نفسه، الذي فرّط بالسيادة، وخان قسمه العسكري، وأعطى مفاتيح الدولة لمن كان ينبغي أن يُحاكَموا لا أن يُكرَّموا.

سلام زائف.. وسلطة تتآكل

رفع البرهان شعار “السلام” لتبرير تسليم الدولة، لكنه لم يكن سلامًا حقيقيًا. بل كان سلّمًا للصعود على ظهر الوطن. وهو بذلك لم يصنع توافقًا، بل زرع بذورًا جديدة للحرب القادمة. لأنه حين تُدار الدولة بالمحاصصة، وحين تتحوّل السياسة إلى وسيلة للاستحواذ، فإن الصراع لا يتوقف، بل يتجدّد بأشكال أكثر خطورة.

إنه سلام زائف، وشرعية مُفتعلة، وقائد لا يحكم ولا ينسحب. والأخطر من ذلك، أن بقاء البرهان في المشهد يعني استمرار ذات المعادلة الكارثية: تفويض بلا مسؤولية، وتحالفات بلا مبدأ، ودولة تُدار من خارج مؤسساتها.

آن أوان الرحيل

لقد فقد عبد الفتاح البرهان كل ما يؤهله للبقاء. فلا شرعية سياسية، ولا سيطرة ميدانية، ولا احترام شعبي. هو فقط الجنرال الذي سلّم الدولة لمن يحاربها، وأفرغ الجيش من محتواه، وأدخل الذئاب إلى حظيرة الوطن ثم ارتدى عباءة الضحية.

والتاريخ لا يرحم. سيُكتب أن البرهان لم يهزم التمرد، بل تبنّاه. ولم يحافظ على السيادة، بل مزّقها. ولم يبنِ الدولة، بل أعادها إلى نقطة الصفر. وعلى الشعب السوداني أن يعي هذه اللحظة: إما رحيل البرهان ومعه معادلة الفشل، أو استمرار الانهيار حتى آخر ركن من أركان البلاد.

اقرأ ايضا: الصراع بين الدولة والحركات المسلحة الدارفورية ومستقبل السودان

Exit mobile version