الدولجية ظلوا يبيعون الوهم منذ عقود، يرفعون شعارات الوحدة الزائفة من أجل حصد السلطة على أكتاف المجتمعات، بينما الواقع كان دومًا يثبت استحالة التعايش في ظل هذا الكم الهائل من التباينات. فكلما اشتدت الأزمات الاقتصادية والسياسية والعسكرية، كانوا يلوذون بخطاباتهم المكرورة، كأنها الحل السحري، لكن الحقيقة أنها مجرد ستار لتأجيل الانفجار. واليوم، وسط التضليل والدجل السياسي، يخرج تيار “النهر والبحر” ليضع النقاط على الحروف وينظر لحتمية انفصال دارفور، ويعيد تعريف الناس بالحقائق التي حاولت الدولة دفنها طويلًا، ليقود مجتمعاتنا نحو تصور جديد للدولة، دولة واقعية تراعي مصالحهم وحقوقهم وتنسجم مع واقعهم لا مع أوهام السياسيين.
القصة السوفييتية الشهيرة تختصر المشهد بذكاء. حين سأل ستالين أحد المزارعين عن محصول البطاطس، أجابه بدهاء: “المحصول وفير جدًا، لو وضعنا البطاطس حبة فوق الأخرى لوصلنا إلى السماء”. غضب ستالين وردّ: “وهل هناك رب؟”. فقال المزارع بجملته المأثورة: “وهل هناك بطاطس؟”. هذه القصة لم تكن مجرد طرفة، بل أصبحت استعارة عميقة لواقعنا اليوم: وعود كثيرة، شعارات أكثر، لكن على الأرض لا نجد “البطاطس” التي يتحدثون عنها. إنها مفارقة تكشف حجم التزييف والانفصال بين خطاب السلطة وحياة الناس.
الدولجية ووهم الدولة الواحدة وحتمية الانفصال
منذ الاستقلال، ظل الخطاب الوحدوي يرفع شعار “السودان الموحد” كقيمة مقدسة، بينما هو في الحقيقة محاولة لتثبيت مركزية السلطة ومصالح نخبة ضيقة على حساب تنوع البلاد وتعقيداتها. الاستعمار رسم حدودًا جغرافية جمعت شعوبًا متباينة في العرق واللغة والثقافة والدين، ومع ذلك أصرّ الدولجية على إدامة هذا الوضع الهش عبر شعارات قومية لا تستند إلى أي واقع اجتماعي. النتيجة الطبيعية لذلك كانت الحروب الممتدة، النزاعات الأهلية، الفقر المدقع، إهدار الموارد الطبيعية والبشرية، وظهور انقسامات عميقة في النسيج الاجتماعي.
ومع تراكم الأزمات عبر العقود، أصبح السودان نموذجًا حيًا لفشل الدولة في إدارة التنوع. تحولت البلاد إلى مسرح أطول حرب أهلية في إفريقيا، ومركز أكبر كارثة إنسانية في العالم، وفق تقارير الأمم المتحدة. ورغم وضوح هذه الحقائق، ظل الدولجية يرددون خطابًا ساذجًا عن الوحدة، كأنهم يعيشون في عالم آخر، بينما الواقع على الأرض ينزف دمًا وانقسامًا.
حرب 15 أبريل وكشف المستور
جاءت حرب 15 أبريل كزلزال سياسي واجتماعي لم يترك شيئًا على حاله وحرك كل الواقع نحو انفصال دارفور. لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين قوتين متنازعتين، بل كانت لحظة انكشاف كبرى أسقطت آخر ما تبقى من أقنعة خطاب الدولة القديمة. الحرب لم تدمر المؤسسات الرسمية وحدها، بل فجرت علنًا التباينات الاجتماعية والعرقية التي كانت مدفونة تحت ركام الخطابات الرسمية.
لأول مرة، أصبح الحديث عن المناطقية والقبلية علنيًا في الساحة السياسية، وتحول الصراع إلى نزاع مناطقي وقبلي أمام أنظار الجميع. المجتمعات المتأثرة بالحرب، خاصة تلك التي طالما وُصمت بالهامش، صارت تصرخ بصوت مسموع عن تهميشها وحقوقها، بينما بدا المركز – الذي يسيطر عليه خطاب الدولجية – عاجزًا عن مواجهة الأسئلة الحقيقية. الدولجية لم يملكوا الشجاعة للاعتراف بحقيقة الانقسام، بل واصلوا تدليسهم، محاولين عبثًا إقناع الناس أن الدولة القديمة ما تزال قابلة للعيش.
تيار النهر والبحر: الحقيقة الوحيدة
في هذا الظلام والارتباك، برز تيار “النهر والبحر” كتيار بديل، يحمل خطابًا عقلانيًا ومنطقيًا ينسجم مع واقع المجتمعات لا مع أوهام النخب. بدأ هذا التيار يعيد للناس وعيهم بما تم تغيبيه طويلًا، ويذكرهم بحقوقهم التي ضاعت بين الشعارات. بخلاف الدولجية، لم يتحدث “النهر والبحر” بلغة عاطفية عن الوحدة، بل قدّم إجابة واضحة: الحل هو دولة جديدة، منفصلة، تعبّر عن مجتمعاتها وتحمي مصالحها.
هذا التيار لم يولد من فراغ، بل من شعور جماعي متصاعد بالخذلان من الدولة القديمة. ومع استمرار الحرب، وجد الناس فيه صوتًا منطقيًا يضيء لهم طريقًا بديلاً، ويرسم صورة لمستقبل لا يقوم على الإقصاء ولا على الخطابات الزائفة، بل على الاعتراف بالواقع والتعامل معه كما هو.
الجميع نحو الانفصال… إلا الدولجية
المجتمعات في كل الأقاليم بدأت تتحرك بخطوات عملية نحو خيار الانفصال، باعتباره الحل الطبيعي الذي يضمن حقوقها. حتى الفعاليات الشعبية، مثل المسيرات الكبيرة في نيالا مؤخرًا، عكست هذا الاتجاه الواضح. لكن وسط هذا التحرك الجماعي، يقف الدولجية وحدهم متشبثين بالوحدة.
السبب بسيط: الانفصال يعني نهايتهم السياسية. فهم لا يملكون قاعدة اجتماعية حقيقية، ولا يستطيعون المنافسة في دولة جديدة تقوم على مصالح المجتمعات المحلية. وجودهم مرتبط فقط بالهياكل القديمة للدولة المركزية. لذا، فإن خطابهم الوحدوي ليس دفاعًا عن الوطن كما يزعمون، بل دفاعًا عن مقاعدهم ومصالحهم الخاصة.
أزمة البطاطس الدولجية
في محاولاتهم الأخيرة للبقاء، يحاول الدولجية إقناع الناس أن جمع الحركات المسلحة في جيش واحد سيصنع دولة قومية موحدة. لكن هذا الطرح لا يتعدى كونه وهمًا جديدًا. كيف يمكن لمجتمعات مسالمة بطبيعتها أن تتعايش مع مجتمعات مسلحة بالكامل؟ وكيف يمكن تجاوز التباينات الهائلة في اللغة والعرق والثقافة والدين داخل جيش واحد أو دولة واحدة؟
هذه ليست وصفة للوحدة، بل وصفة للفوضى والانفجار المستمر. الواقع يفرض حلاً آخر أكثر وضوحًا: أن يذهب كل إقليم لبناء دولته الخاصة وفقًا لخصوصياته ومصالحه. وأن تترك دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق صراعاتها لتبني كياناتها المستقلة، بدل أن تُفرض على الآخرين كأعباء إضافية.
الخاتمة
لقد وصلت الأزمة السودانية إلى مرحلة اللاعودة. لم يعد ممكنًا التعايش في ظل دولة واحدة بعد كل هذا الدم والانقسام. كما انتهت أزمة الجنوب بالانفصال، فإن الحل في السودان اليوم لا بد أن يكون جذريًا ونهائيًا: انفصال يفتح الباب أمام التنمية والاستقرار لكل مجتمع على حدة.
الدولجية وحدهم يصرون على التمسك بوهم الوحدة، لأنهم يعرفون أن مصالحهم ستنتهي معها. أما الشعوب، فقد أدركت الحقيقة، وتتحرك بخطى ثابتة نحو مستقبل جديد ينسجم مع واقعها. ولمن يواصلون بيع الوهم نقول: “وهل هناك بطاطس؟”
اقرأ ايضا: اقتصاد الحرب من دارفور إلى ليبيا: الارتزاق كثقافة راسخة.. ومشروع النهر والبحر كخلاص
