لم تكن العبيدية، تلك البلدة الوادعة على ضفاف نهر النيل، تظن يوماً أن ماءها العذب الذي سقى الأجيال جيلاً بعد جيل، سيتحول إلى سم زعاف يُغتال به الناس ببطء، لا برصاصة مباشرة، بل بقطرة ماء مشبعة بالزئبق والسيانيد. غير أن ما حدث مؤخراً كشف المستور وأظهر حقيقة مرعبة: الحركات المسلحة التي جاءت إلى المنطقة لم تأتِ لتحمي الأرض أو تصون العرض، بل جاءت بعقلية النهب والغنيمة، بعقلية الجنجويد القديمة التي لا تعرف سوى لغة القوة، لتستولي على الذهب وتترك الموت البطيء خلفها.
جريمة في وضح النهار
وقعت الحادثة على ضفاف النيل، حيث تفاجأ الأهالي بشاحنات ضخمة تابعة لقوات “المشتركة” وهي تقوم بنقل مخلفات التعدين المليئة بالزئبق والسيانيد إلى الشاطئ وغسلها في المياه. لم يكن هذا مجرد تجاوز عابر، بل كان انتهاكاً صارخاً لقانون البيئة وصحة الإنسان، وإهداراً لحق آلاف المواطنين الذين يعتمدون على النيل في الشرب والزراعة وتربية مواشيهم. كان المشهد صادماً: رجال مسلحون يغسلون آلياتهم في النهر، بينما السموم تتسرب إلى الماء، غير عابئين بالعواقب.
عندما تحرك العم عبد الرحمن عبد الله عمر، رئيس اللجنة الإدارية بالحي، ليوقف هذه الكارثة، وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع منطق الغاب. بدلاً من أن ينصاع الجنود لتحذيراته، أطلقوا الرصاص في الهواء لإرهابه، ثم اعتقلوه بعنف وأهانوه أمام أهله. لم يحترموا منصبه ولا عمره ولا حصانته القانونية، بل تعاملوا معه كعدو في ساحة قتال. لقد أرادوا أن يرسلوا رسالة للجميع: “القانون هنا هو البندقية”.
الزئبق.. القاتل الصامت الذي يسري في العروق
ما فعله هؤلاء لم يكن مجرد خطأ إداري أو مخالفة عابرة، بل كان جريمة إبادة بطيئة. الزئبق والسيانيد ليسا مجرد مواد صناعية، بل هما سموم قاتلة تدخل في كل قطرة ماء ملوثة وتنتقل إلى أجساد الناس عبر الشرب والطعام. منظمة الصحة العالمية تحذر من أن الزئبق لا توجد له أي نسبة آمنة في مياه الشرب، فآثاره تراكمية ومدمرة.
حين يلوث الزئبق مياه النيل، فإنه يتسرب إلى الأسماك، يدخل إلى الزرع، ويستقر في أجساد الأطفال والنساء والشيوخ. والنتيجة أمراض عصبية خطيرة، فقدان للذاكرة، تشوهات خلقية للأطفال، ضعف البصر والسمع، بل وارتفاع معدلات الإصابة بالسرطانات التي باتت تفتك بأهل نهر النيل. أما السيانيد، فهو أشد فتكاً: مجرد جرام واحد منه قادر على قتل إنسان في دقائق، فكيف إذا سُكبت أطنان من مخلفاته في النيل؟
إن ما حدث في العبيدية ليس مجرد تلويث بيئي، بل هو تسميم متعمد للحياة. هو قتل بطيء يزرع المرض في الأجساد ويهدد مستقبل الأجيال القادمة.
لماذا العبيدية؟ ولماذا الذهب؟
السؤال الأكبر الذي يطرحه أهل العبيدية هو: لماذا توجد هذه القوات في منطقتهم أصلاً؟ الحركات المسلحة وُجدت – نظرياً – لتحمي أهلها في دارفور، لتحرس الفاشر المشتعلة، لتدافع عن القرى التي تُحرق والأعراض التي تُنتهك هناك. لكن الواقع المؤلم أن هذه القوات تركت أهلها يواجهون الموت في الغرب، وجاءت إلى ولاية نهر النيل، الهادئة والآمنة، لتفتح مكاتب في سوق الجمارك ومعسكرات في سوق الطواحين، لا لتقاتل، بل لتتنقب عن الذهب وتفرض سطوتها بالسلاح.
لقد انكشفت الحقيقة أمام المواطنين. كثير من الذين قدموا إلى العبيدية كمدنيين عاديين، يعملون في بقالات أو ورش أو أكشاك صغيرة، ما هم إلا عناصر مسلحة. عند أول مواجهة، خرجوا بأسلحتهم في مشهد صادم، أشبه بساعة الصفر التي تذكّر الأهالي بما حدث حين سقطت المدن على يد الجنجويد. إنها ليست تجارة ولا مهنة، بل خطة مدروسة للاستيطان وفرض واقع جديد.
العبيدية تحت الحصار المليشياوي
منذ أن فتحت “المشتركة” مكتبها في العبيدية، تبدلت حياة الناس. لم تعد البلدة مركز تعدين تقليدي فقط، بل تحولت إلى ثكنة عسكرية مقنّعة. في الأسواق ترى الجنود يفرضون نفوذهم، وفي الأحياء يُخزَّن السلاح والذخيرة داخل منازل مستأجرة. حتى المدارس لم تسلم من التغيير؛ نصف الطلاب اليوم من أبناء المليشيات الذين استقروا في المنطقة، في إشارة إلى تغيير ديموغرافي واجتماعي لا يمكن إنكاره.
الأخطر من ذلك أن هذه القوات صارت تجند أصحاب السوابق وبائعي المخدرات والخمور من سوق الطواحين، لتخلق شبكة نفوذ موازية للدولة. ولأول مرة يشعر مواطنو نهر النيل أنهم غرباء في أرضهم، وأن مدينتهم باتت تحت حصار غير معلن من غرباء مدججين بالسلاح.
صرخة الأهالي
لكن العبيدية لم تصمت. الأهالي واجهوا المليشيات بصدورهم العارية، وحرروا رئيس لجنتهم من قبضة المعتدين. خرجوا في مظاهرات عفوية تطالب بإغلاق مكتب “المشتركة” في سوق الجمارك خلال ثلاثة أيام، وإغلاق معسكراتها في سوق الطواحين خلال عشرة أيام. كانت رسالتهم واضحة: “لا نريد مليشيات، لا نريد زئبقاً، نريد حياة كريمة نظيفة بلا سموم ولا سلاح منفلت”.
هذه المطالب لم تأتِ من فراغ، بل من خوف حقيقي على بقاء المدينة نفسها. فاستمرار وجود هذه القوات يعني استمرار التلوث والموت البطيء وانتشار الجريمة المنظمة، ويعني في الوقت ذاته أن العبيدية قد تتحول إلى بؤرة تفجر صراع أهلي لا يعلم مداه إلا الله.
كلمة أخيرة
ما يجري في العبيدية ليس شأناً محلياً صغيراً يمكن تجاوزه. إنه إنذار وطني يطرق الأبواب: حين تتحول الحركات المسلحة إلى عصابات ذهب، وحين يُستباح النيل بالزئبق والسيانيد، وحين تُرهب المدن الآمنة برصاص منفلت واعتقالات تعسفية، فإن السودان كله يكون على حافة كارثة.
إن إخراج هذه القوات من العبيدية لم يعد مطلباً شعبياً فحسب، بل أصبح ضرورة وجودية لإنقاذ ما تبقى من صحة الناس وكرامتهم. العبيدية تقولها بصوت واحد: لا للمليشيات العابثة، لا للزئبق القاتل، نعم للحياة.
اقرا ايضا: مرثية الخرطوم عاصمة النهر والبحر : حوار على ضفاف الجرح وملحمة العبور العظيم

تعليق واحد
真免费!价值万元资源,不要一分钱,网址:https://www.53278.xyz/