بيع اراضي الشمال والشرق : استثمار أم امتياز استعماري جديد؟
بقلم: محمد الصافي
في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، وجّه الفريق عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة، حكومة ولاية نهر النيل بتخصيص مليون فدان لصالح “شركة جمهورية مصر العربية للاستثمار الزراعي”، وذلك بعقد امتياز يمتد لما يقارب مئة عام. هذه الخطوة، التي تبدو على السطح استثماراً زراعياً بين بلدين جارين، تثير في العمق أسئلة خطيرة حول مفهوم السيادة، وعدالة توزيع الموارد، وأولوية المواطن المحلي في التنمية، والأخطر من ذلك: هل أصبحت أراضي الشمال والشرق أدوات تسوية سياسية، تُمنح مقابل دعم خارجي، لا أدوات تنمية وطنية؟
بين الاستثمار والتنصل من المسؤولية
كمواطن من ولاية نهر النيل، لست ضد الاستثمار الأجنبي، بل أراه ضرورة في اقتصاد مأزوم كاقتصاد السودان. لكن ما نرفضه هو الاستثمار الذي لا يعود بأي نفع مباشر أو مستدام على سكان الولاية، ويفرض عليهم قيوداً لعقود طويلة، كتلك التي أبرمتها حكومة الإنقاذ سابقاً مع مستثمرين مثل شركة الراجحي السعودية، والتي تم بموجبها تأجير أراضي في محلية بربر لمدة 99 عاماً، دون مشاركة مجتمعية أو مردود تنموي حقيقي.
رفض مجتمعي وتصعيد قبلي ضد صفقة بيع أراضي نهر النيل
برزت ملامح احتجاج واسع وسط مكونات اجتماعية تقليدية في ولاية نهر النيل، على خلفية التسريبات التي كشفت عن اتفاق سري لتمليك مليون فدان من أراضي الولاية لصالح الحكومة المصرية، عبر شركة “زادنا” التابعة للجيش السوداني. ووفقاً لمصادر مطلعة، فإن الاتفاق تم بين رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ويمنح الجانب المصري امتيازاً زراعياً طويل الأجل داخل حدود الولاية، في صفقة أثارت جدلاً واسعاً بشأن الشفافية، والمصلحة الوطنية، وحق المجتمعات المحلية في تقرير مصير أراضيها.
وفي تطور غير مسبوق، عبّرت قيادات أهلية تنتمي إلى قبيلة الجعليين عن رفضها التام لأي شكل من أشكال التنازل عن الأراضي الزراعية لصالح جهات أجنبية، محذّرة من أن إدخال أطراف خارجية إلى أراضي الولاية يُعد تجاوزاً للخطوط الحمراء. واعتبرت هذه الخطوة استغلالاً لحالة السيولة السياسية والعسكرية التي تمر بها البلاد، حيث يحاول البرهان – بحسب البيان – مقايضة السيادة الوطنية بالدعم السياسي والعسكري في معركته المفتوحة ضد قوات الدعم السريع. كما أشار البيان إلى أن ولاية نهر النيل ذات طابع مجتمعي محافظ وتاريخ ضارب في الجذور، ولا يمكن التعامل مع أراضيها بوصفها سلعة تخضع لاعتبارات الصفقة، محذراً من عواقب أمنية ومجتمعية لأي محاولة فرض هذا الاتفاق على السكان دون رضاهم.
أراضي نهر النيل: قصة فساد ممتدة
بحسب تقرير دائرة الأراضي القومية الصادر في 2022، فإن ما يفوق 65% من الأراضي الصالحة للزراعة في ولاية نهر النيل قد تم تخصيصه إما بعقود امتياز طويلة الأمد، أو تم التصديق عليه كمربعات تعدين، أغلبها لشركات أجنبية أو واجهات محلية تابعة لمسؤولين نافذين. وقد تم كشف هذه المعلومات جزئياً في خريطة استثمارية غير منشورة، اطلع عليها أحد العاملين في وزارة اتحادية، تظهر فيها حالة شبه كاملة من تجفيف الموارد الزراعية لصالح صفقات قصيرة النظر.
الاستثمار الزراعي رهينة الدولة نفسها
لا تقتصر المشكلة على فساد العقود، بل تمتد إلى بنية الدولة نفسها، التي تحوّلت من حاضنة للتنمية إلى متربصة بمداخل الإنتاج. ففي ظل غياب سياسات زراعية واضحة، واحتكار مدخلات الإنتاج من بذور وأسمدة ومبيدات من قبل نافذين، تضاعفت تكلفة الزراعة بنسبة تزيد عن 240% بين عامي 2020 و2024، بحسب تقرير صادر عن اتحاد المزارعين السودانيين، مما تسبب في تقلص المساحات المزروعة بنسبة 30% في بعض المناطق.
والمفارقة أن الدولة التي تدّعي تشجيع الاستثمار، تتعامل مع الأرض كغنيمة سياسية أو سلعة نقدية، دون أي اعتبار لأهمية القطاع الزراعي كقلب للاقتصاد القومي، وأداة لتثبيت السكان وتحقيق الأمن الغذائي.
مثال بربر: توسع بلا أفق
في محلية بربر، تم بالفعل بيع أو تأجير معظم الأراضي شرق النيل حتى حدود ولاية البحر الأحمر. هذا التمدد التجاري لم يؤخذ فيه بعين الاعتبار أي مخطط عمراني، مما حرم الأجيال القادمة من حقها في التوسع الحضري أو الزراعي. وقد صرّح مسؤول سابق في محلية بربر لـصحيفة السوداني الدولية (يناير 2024) بأن “الاستثمارات الزراعية لم تضف للمنطقة سوى الضغط على الموارد، والتوظيف الموسمي المؤقت، وانعدام الشفافية في العوائد”.
عقود امتياز بلا برلمان
السؤال الأكبر الذي يفرض نفسه: بأي صلاحية تُبرم مثل هذه العقود طويلة الأجل في غياب مجلس تشريعي منتخب؟ ما الجدوى من اتفاق يستمر 100 عام دون مناقشة عامة أو تصويت برلماني؟ ما هي الشروط؟ وما نصيب المواطن؟ ومن يراقب؟
ما يحدث يعيد للأذهان مشروع “الغابة الزراعي” بالولاية الشمالية، الذي تنازلت عنه حكومة الإنقاذ لصالح شركة الراجحي ضمن تسويات ديون، قبل أن يتوقف المشروع تماماً بسبب اعتراض السكان المحليين، وغياب أي جدوى اقتصادية ملموسة.
التجربة المصرية ذاتها… لمَ لا تُطبّق علينا؟
المفارقة أن الحكومة المصرية، التي أُبرم معها عقد الاستثمار، نجحت خلال العقد الماضي في تحقيق نهضة زراعية هائلة عبر شركات محلية – حكومية وخاصة – دون الحاجة إلى امتيازات عقارية خارجية. فلماذا لا تُطبّق نفس النماذج الناجحة في السودان؟ لماذا لا تُنشأ شركات مشتركة، يتم فيها تقاسم الأرباح بدلاً من التفريط في الأصول؟
فقد أعلنت وزارة الزراعة المصرية في 2023 عن زيادة الرقعة الزراعية بمقدار 1.5 مليون فدان من خلال شركات مثل “الريف المصري” و”مستقبل مصر”، عبر نماذج تعاقد تشاركية، وليس امتيازية.
مناخ استثماري غائم
الاستثمار الحقيقي لا ينجح في مناخ تغيب فيه الشفافية، وتنعدم فيه الثقة الشعبية. والواقع أن السودان اليوم لا يتمتع بأي من شروط الاستقرار السياسي أو المؤسسي الجاذب لرأس المال المنتج. فبحسب تقرير البنك الدولي لممارسة أنشطة الأعمال 2023، احتل السودان المرتبة 171 من أصل 190 دولة في مؤشر سهولة ممارسة الأعمال، والمرتبة 180 في مؤشر حماية المستثمرين.
اقرأ ايضا: العشوائيات في السودان: مهددٌ أمني واجتماعي يجب اقتلاعه من الجذور
الخاتمة: لا تنمية بلا شراكة
الدرس واضح: التنمية الزراعية في السودان لن تتحقق بعقود امتياز تُكتب في الخفاء، ولا بتفريط في الأرض مقابل صفقات تسوية سياسية. بل تبدأ من رؤية وطنية للزراعة كرافعة للسيادة، وشراكة عادلة بين الدولة والمستثمر، تقوم على تقاسم الأرباح لا بيع الأصول.
الزراعة هي مستقبل السودان، والأرض ليست للبيع.
وثائق:


مصادر:
- دائرة الأراضي القومية، التقرير الفني السنوي 2022.
- اتحاد المزارعين السودانيين، تقرير الأداء الزراعي 2023.
- البنك الدولي، تقرير ممارسة أنشطة الأعمال 2023.
- وزارة الزراعة المصرية، تقرير التنمية الزراعية 2023.
- صحيفة السوداني الدولية، عدد يناير 2024.

تعليق واحد
دوله يحكمها اخوان كافرين في يوم من الايام سنسترجع ارضنا ارض النيل وارحلوا من السودان نحن لا نرى الخبث دار سنسترجعها ولو بالسلاح