Site icon الديوان

تحرير مدينة بارا .. من رؤى العمسيب إلى واقع تحرير اراضي النهر والبحر

مدينة بارا

مدينة بارا

تحليل واستقصاء حول استعادة مدينة بارا في شمال كردفان

منذ أشهر مضت، كان الكاتب والمحلل السياسي الدكتور عبد الرحمن عمسيب قد شدّد في مقالاته ولقاءاته على أن الأولوية في معركة التحرير يجب أن تمنح لمدينة بارا، لا لمدن بعيدة مثل الخوي وأم صميمة. حجته في ذلك أن بارا قريبة من الأبيض وأم درمان، ما يجعل تحريرها أكثر جدوى عسكرياً واستراتيجياً، بينما شهدت معارك الخوي وأم صميمة هزائم للجيش بسبب التفافات المليشيات على خطوطه الخلفية. واليوم، بعد إعلان تحرير بارا في 11 سبتمبر 2025، يبدو أن الجيش قد نفذ عملياً الرؤية التي أشار إليها عمسيب، مثبتاً أن التخطيط المبني على قراءة الجغرافيا والواقع هو مفتاح الانتصار.

بارا: مدينة تعكس صورة السودان المصغر

بارا ليست مجرد مدينة على خريطة شمال كردفان، بل هي رمز لتاريخ وذاكرة وتنوع السودان. تقع على بعد 57 كيلومتراً شمال الأبيض، و285 كيلومتراً من الخرطوم. عرفها السودانيون مركزاً زراعياً وحيوانياً مهماً، لكنها أيضاً قدّمت للسودان أسماء بارزة في السياسة والأدب والعلم والفن.
من الناحية الاجتماعية، تميزت بارا بكونها مدينة جامعة لقبائل شتى: البديرية، الكبابيش، الجعليون، الركابية، الهوارير، الشنابلة، الجوامعة، دار حامد، المجانين، بزعة وبني جرار، وغيرهم من القبائل النهرية الأصيلة. هذا التنوع جعلها بحق سوداناً نهريا مصغراً، لكنه في الوقت نفسه جعلها هدفاً لمليشيا سعت إلى إخضاعها وفرض هيمنتها.

لماذا بارا بالذات؟

تكمن أهمية بارا في موقعها الجغرافي الاستراتيجي. فهي تقف كعقدة مواصلات رئيسية تربط الأبيض بالخرطوم عبر طريق الصادرات، وتتصل بشبكات طرق تمتد نحو كادقلي والدلنج غرباً والفاشر عبر طريق الإنقاذ الغربي. السيطرة عليها تعني تأمين العاصمة من الغرب وفتح الطرق التجارية والعسكرية في اتجاهات عدة. هذه الأهمية هي التي جعلت بارا دائماً في بؤرة حسابات الجيش والمليشيات على حد سواء.

التحرير: من التكتيك إلى الاستراتيجية

في قراءة عسكرية نشرها الصحفي مزمل أبو القاسم نقلاً عن العميد الركن عمر عبد الرحمن عمر باشري، يظهر أن تحرير بارا يمثل أكثر من مجرد انتصار ميداني. فالعملية العسكرية فتحت الطريق نهائياً بين الأبيض وأم درمان، لتسقط بذلك أوهام المليشيات بإعادة حصار الأبيض. كما قُصرت خطوط الإمداد العسكري للجيش، ما مكّنه من المناورة بسرعة أكبر، في مقابل قطع شرايين الإمداد الحيوية للمليشيا القادمة من جبرة الشيخ وسودري وأبو زعيمة.
على المستوى المعنوي، التحرير رفع من معنويات الجيش والقوات المساندة، بينما ضاعف من حالة الانكسار النفسي لدى المليشيات، التي تعيش سلسلة هزائم منذ معركة جبل موية مروراً بكادقلي والنهود وبابنوسة وحتى الفاشر.

بارا وإعادة تموضع القوات

تحرير بارا منح الجيش فرصة لإعادة تشغيل حاميتها العسكرية التاريخية، المعروفة بـ”أربعة أجي بلك”، ما يوفر له نقطة ارتكاز استراتيجية تعزز من انتشاره العملياتي. وهذا بدوره لا يقتصر على توسيع الرقعة المحررة، بل يشكل أيضاً درعاً متقدماً لتأمين الخرطوم من الناحية الغربية.

اقتصادياً، يمثل التحرير نقطة انطلاقة جديدة. بارا مدينة غنية بالموارد الزراعية والحيوانية التي ظلت مجمدة بفعل الحرب منذ أبريل 2023. تحريرها يفتح الباب أمام إعادة دورة الإنتاج والتجارة، ويعيد إليها دورها كمركز اقتصادي يغذي شمال كردفان ويعزز شبكة التجارة بين الخرطوم وولايات الغرب.

بارا الإنسانية: ذاكرة الجرح

لا يكتمل الحديث عن بارا دون استحضار الجانب الإنساني. فقد عاش أهلها لأكثر من عامين تحت حكم المليشيات، يتجرعون الخوف والنهب والقتل والتشريد. تحكي شهادات الأهالي عن أسر فقدت معيلها، ونساء عشن تحت تهديد مستمر، وأطفال انقطعوا عن التعليم في بيئة يسودها الرعب. لذلك، كان التحرير بالنسبة لهم بمثابة ولادة جديدة، بل عودة للكرامة المفقودة.

التحليل العسكري والسياسي يشير أيضاً إلى رسالة موجهة لأبناء شمال وغرب كردفان الذين انجرفوا وراء المليشيات. فالحرب لم تجلب لهم سوى الجراح والخسارة، بينما يعيش قادة المليشيا وأبناؤهم في رفاه ورعاية خاصة. في المقابل، يترك صغار المقاتلين يواجهون مصيراً مظلماً، حتى أن كثيراً من الجرحى تُركوا ليموتوا بإصابات متعفنة دون علاج.

خلاصة استقصائية

تحرير بارا هو تتويج لرؤية استراتيجية سبقت الأحداث، ورسمها بوضوح الدكتور عبد الرحمن عمسيب، حين شدّد أن الأولوية يجب أن تكون لهذه المدينة الأقرب إلى قلب خطوط الإمداد والأكثر حساسية في معركة الغرب. الجيش هذه المرة استوعب الدرس ونفذ، فحقق نصراً لا يقتصر على الجغرافيا العسكرية، بل يمتد إلى الكرامة الإنسانية والاقتصاد الوطني.
إن بارا اليوم ليست مجرد مدينة حرة، بل هي عنوان لتحول نوعي في مسار الحرب ورسالة بأن التغيير في الميدان بات واقعاً، وأن زمن المليشيات يقترب من نهايته مهما طال أمد الصراع.

Exit mobile version