من يتأمل المشهد السوداني يدرك أن لعبة الاستخبارات العسكرية لا تقوم على البراءة ولا على المصادفة. الفيديو الذي بثّته صفحة “البعشوم” في يوتيوب ليس مجرد مادة إعلامية عابرة، بل هو رسالة مشفرة، أُريد لها أن تصل إلى كيكل وقواته قبل غيرهم. ففي أدبيات السلطة، حين تريد الأجهزة الأمنية التخلص من أحد أدواتها القديمة، تبدأ أولاً بتجريده من الهالة، ثم تجعله مادة للسخرية والتشكيك، تمهيداً لمرحلة التصفية الناعمة أو الخشنة.
البرهان، الذي وظّف كيكل كأداة مرحلية في الصراع، لم يكن يومًا يرى فيه سوى وظيفة مؤقتة. والآن، وقد انقضت الحوجة، صار التخلص منه ضرورة في حسابات الخرطوم. هذه ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها البرهان لعبة التناقضات للحفاظ على كرسي السلطة بعد أن لجأ لتكوين قوات كيكل قبل بداية الحرب ليوازن بهم القوة بعد التمدد الواسع للدعم السريع والحركات المسلحة، وظل كيكل بسذاجته لا يدرك أن دوره بيدق يستهلك ثم يرمى، متوهماً أنه سيصبح لاعباً أساسياً في المشهد السياسي.
العقوبات التي فُرضت على كيكل قبل أشهر لم تكن مجرد إجراء خارجي معزول، بل كانت جزءًا من عملية حصار شاملة تُرسم له داخليًا وخارجيًا. فهي من جهة نزعت عنه الغطاء الذي حاول أن يكتسبه كلاعب محلي ذي بعد إقليمي، ومن جهة أخرى أغلقت أمامه أي نافذة مستقبلية في المشهد السياسي الرسمي. لقد وُسم اسمه بصفة “المعرقل” و”المنتهك”، وهي صفات تكفي لتجريده من شرعية التمثيل أمام المجتمع الدولي.
أثر العقوبات لم يتوقف عند تجميد أرصدته أو حركته الدبلوماسية، بل أصاب بنيته السياسية في مقتل؛ فالقائد الذي يسعى إلى شرعنة نفسه عبر التحالفات يجد نفسه محاصرًا بالعزلة، بلا سند دولي ولا رصيد سياسي يمكن البناء عليه. وبذلك، تحوّل كيكل من ورقة ضغط إلى ورقة مُحرقة، وهو ما يعجّل بتلاشيه من المعادلة المستقبلية حتى لو احتفظ ببعض القوة العسكرية مؤقتًا.
وهنا تتجلى مأساة الغباء الاستراتيجي: أن ينخرط شخص مثل كيكل في لعبة لا يفقه قواعدها، فيتوهّم أن التحالف مع البرهان يضمن له البقاء، بينما الحقيقة أن كل من يضع يده في يد الاستخبارات العسكرية يوقّع ضمنيًا على نهاية لا يملك هو توقيتها ولا شكلها. الفيديو الأخير ليس إعلان حرب مباشر، لكنه بمثابة إخطار مسبق: “لقد انتهت صلاحيتك”.
لقد كان كيكل بحاجة إلى بصيرة سياسية تحصّنه من مصير محتوم، لكنه اندفع بعقلية الكيزان الذين أحاط نفسه بهم ظناً أنهم سيوفرون له الدعم السياسي، وأخطأ حين ظن أن قوة السلاح وحدها تكفي، بينما التاريخ السوداني يعجّ بأمثاله الذين استُخدموا كـ”بيادق” ثم طواهم النسيان. إن خطيئته الكبرى لم تكن في تحالفه مع البرهان فقط، بل في عجزه عن إدراك أن البرهان نفسه خصم وجودي للشمال النيلي ولأبناء النهر تحديدًا، وأن من تحالف مع “الخصم الأكبر” لا بد أن ينتهي إلى هزيمة شخصية وسياسية.
تحليل الدكتور عبد الرحمن عمسيب لمصير كيكل
الجدير بالذكر هنا أن رئيس منظمة النهر والبحر، الدكتور عبد الرحمن عمسيب، وهو كاتب وسياسي سوداني ومؤسس لمشروع انفصال سودان النهر والبحر عن دارفور كحل جذري للسلام المستدام، ظل دائماً يوجه رسائل تلو الأخرى لكيكل، حيث نصحه بألا يتأخر في المطالبة بنمر عسكرية ورواتب لقوات درع السودان، وأن يطالب بحق أبناء البطانة السياسي لينال في أقل تقدير منصب والي ولاية الجزيرة ويضمن لنفسه مقعداً في المشهد السياسي.
ورغم هذه الرسائل البناءة في مضمونها، والتي هي في الأساس تصب في مصلحة كيكل، إلا أن كيكل كان يعض اليد التي تمد له العون، وظل يردد خطابات أقل ما يقال عنها “بلهاء”، حيث ظل يردد شعارات “الكيزان” ذاهبون إلى الفاشر وإلى أم دافوق وغيرها. وكان من الواضح بعد دفع قوات البراء بن مالك إلى الخطوط الأمامية باستمرار وجعلهم قوات هجوم أساسية أن الجيش يلعب على كرتين رابحين: هما ضمان وجود قوات خفيفة تتقدم الهجوم، وعلى المدى الزمني التخلص من صداع “الكيزان”. لكن كيكل لم ينتبه، كما حال غيره، أن الدفع بأبناء البطانة وقوات الدرع إلى الخطوط الأمامية كقوات هجوم رئيسية هو في الأساس إنهاك لهذه القوة الصلبة، حيث إذا اقتضى الحال بإبرام صفقة ما، يكون التخلص منها يسيراً.
وفي حديثه عن المشهد الإعلامي المتعلق بكيكل، أشار الدكتور عبد الرحمن عمسيب إلى أن التقرير الإعلامي الذي انتشر عنه يصور شخصيته بشكل مثير للجدل. ووفقًا لعمسيب، يركز التقرير على أن كيكل “لا يمتلك موقفًا واضحًا من أي قضية”، مما يعكس تقلبًا في تحالفاته السياسية، حيث كان مع الجيش، ثم اختلف مع البرهان، وتواصل مع حميدتي، ليعود بعد الحرب ليدعم الجيش، ثم يتغير موقفه مرة أخرى. ويضيف عمسيب أن هذه التقلبات تجعل كيكل يبدو “عبداً لمصلحته” الخاصة، وهو ما يعتبره التقرير نقطة ضعف أساسية في شخصيته.
ويتطرق عمسيب إلى وصف التقرير للدائرة المقربة من كيكل، حيث يصفهم بـ “اللصوص وقطاع الطرق”. ويؤكد أن هذه الدائرة تتكون من “جنجويد عديل”، ويستشهد بواقعة ضابط كان معهم وتم القبض عليه من قبل الجيش، لكنه أطلق سراحه بعد أن أكد أنه من رجال كيكل، وقام كيكل نفسه بالشهادة له. ويضيف عمسيب أن التقرير يذهب إلى أبعد من ذلك، متهمًا كيكل بالسرقة، مستدلاً بحادثة قام فيها بسرقة الذرة من أحد معسكرات الجنجويد لنفسه وقواته، مما يعزز صورة كيكل كشخص محاط بلصوص وحرامية، ويسعى لتحقيق مكاسب شخصية على حساب الآخرين.
مسؤولية كيكل ومصيره المحتوم
يُبرز عمسيب أخطر ما ورد في التقرير وهو تحميل كيكل مسؤولية سقوط ولاية الجزيرة. فوفقًا للتقرير، يرى المتحدث أن كيكل مسؤول عن فقدان الجيش لكبار الضباط، وعلى رأسهم العميد البطل الشهيد أحمد شاعدين. ويشير عمسيب إلى أن هذا التقرير هو محاولة لتبرئة الحركات المسلحة، خاصة وأن الشهيد أحمد شاعدين ذكر أنه “تم خذلانه” من قبل محور كان يجب أن ينضم للمهمة. ويستنتج عمسيب أن التقرير الذي عمل عليه “شخص متحالف مع الحركات” يهدف إلى تجريم كيكل وتشويه سمعته ونزع سلاحه، ويعتبره أيضًا مسؤولًا عن مقتل قادة المقاومة الشعبية في الجزيرة وتمبول، مثل جاه الله، مما يزيد من حجم الاتهامات الموجهة إليه.
يختتم الدكتور عبد الرحمن عمسيب تحليله بالحديث عن مصير كيكل، مشيرًا إلى أن الاستخبارات العسكرية والبرهان يتبعون استراتيجية “استخدم ثم تخلص”. ويقول إن البرهان استغل كيكل لفترة مؤقتة للضغط على الحركات المسلحة، وعندما تم التوصل إلى اتفاق معها، “أدار ظهره لكيكل لأنه لم يعد بحاجة إليه”. ويضيف أن المؤسسة العسكرية لا تحترم كيكل، حيث كانت ترسل له ضباط استخبارات صغارًا للتعامل معه، مما يمثل احتقارًا له. ويشير إلى أن التوسع الأخير لكيكل في المراكز الحضرية، مثل محاولته فتح مكاتب في الشمالية ونهر النيل، قد تم إحباطه بقرارات عسكرية مباشرة، مما يدل على أن كل الجهات الفاعلة في المشهد السياسي والعسكري لا تريده، وأن مصيره هو الزوال.
أوضح الدكتور عبد الرحمن عمسيب مراراً أن النقص الأكبر في استراتيجية “درع البطانة” بقيادة كيكل هو غياب الجسم السياسي. ووفقاً لتحليله، فشل كيكل في تعلم دروس الحركات المسلحة، التي حرصت على إنشاء واجهات سياسية قوية، مثلما فعلت في اتفاقاتها، حيث تمكنت من الحصول على مناصب سياسية واعتراف دولي بحركاتها. ونصح عمسيب كيكل بضرورة تشكيل كيان سياسي، والضغط من أجل الحصول على منصب حاكم ولاية الجزيرة، وإعادة تنظيم المنطقة، وتشكيل لجان أمنية لضمان حقوق أبناء البطانة. ففي الوقت الذي كان فيه كيكل يشن هجمات عسكرية تحت شعارات “الكيزان”، كان يهمل أهمية العمل السياسي، مما جعله مجرد “ورقة عسكرية” يمكن للآخرين التخلص منها بسهولة.
خاتمة: الغباء الاستراتيجي ومصير البيادق
تختتم تحليلات الدكتور عبد الرحمن عمسيب للمشهد السوداني بالتحذير من مغبة الغباء الاستراتيجي والانخراط في ألاعيب السلطة دون فهم قواعدها. ففي الوقت الذي كان فيه كيكل يظن أن قوة السلاح وحدها كافية لضمان بقائه، كان البرهان والاستخبارات العسكرية يمارسون لعبة “استخدم ثم تخلص”. ويؤكد عمسيب أن العقوبات الدولية المفروضة على كيكل، والفيديوهات التي بثتها الأجهزة الأمنية، لم تكن سوى جزء من خطة محكمة لتجريده من أي شرعية أو قوة، وتحويله من ورقة ضغط إلى ورقة محروقة. وفي نهاية المطاف، يرى عمسيب أن كيكل، بسبب تجاهله للنصائح المتكررة بضرورة بناء جسم سياسي قوي، لم يكن سوى بيدق تم استهلاكه ثم رميه، ليصبح مثالاً صارخاً على مصير كل من يراهن على قوة السلاح في معركة سياسية دون وعي وبصيرة.
مرجع : وثائقي البعشوم عن كيكل
اقرأ ايضا: انفصال السودان: من جدلية السرديات إلى سلام النهر والبحر


