في جغرافيا ممزقة مثل الدولة السودان، لا يكفي أن تُعلن الدولة وجودها فحسب، بل يجب عليها أن تثبت ذلك من خلال احتكار الشرعية، والعنف، والرمزية الوطنية. أكثر ما يُقوض مشروع الدولة هو مشاركتها تلك الوظائف الحيوية مع جماعات تحمل السلاح تحت شعارات “المظلومية” وتفاوض باسم “العدالة”، ثم تتقاسم السلطة تحت مسمى “السلام”. منذ نشأتها، ظل السودان أسيرًا لعلاقة مضطربة بين المركز والهامش، بين الدولة والحركات المسلحة، بين البنادق وصناديق الاقتراع. وكلما أُعلن اتفاق سلام جديد، لا تُطوى صفحات النزاع السابقة، بل تُفتح صفحات جديدة من المحاصصة السياسية التي تُنتج فصائل جديدة لا تبحث عن حلول حقيقية، بل عن حصص ونفوذ.
دورة التمرد: كيف يُنتج السلام سلاحًا؟
لم يكن اتفاق جوبا 2020 نهاية للحرب كما تروّج له العديد من الأطراف، بل كان في الواقع، وفقًا لتوصيف مجموعة الأزمات الدولية، اتفاقًا لإدماج الفاعلين المسلحين في السلطة دون رؤية استراتيجية حقيقية لنزع السلاح أو إصلاح المؤسسة العسكرية. بدلاً من أن يُفضي هذا الاتفاق إلى تفكيك منطق السلاح السياسي، كرّسه وجعله امتلاك البندقية أقصر طريق للمشاركة السياسية. ووفقًا للباحث السوداني الدكتور عبد العزيز حسين الصاوي، لم تنجح الدولة السودانية منذ الاستقلال في إنتاج عقد اجتماعي حقيقي، بل اكتفت بإدارة خلافاتها عبر الصفقات والصفقات فقط، ما جعل لغة الحرب أكثر فاعلية وفهمًا من لغة السياسة. المدهش أن الحركات التي انطلقت مطالبة بالعدالة الاجتماعية سرعان ما تحوّلت إلى نخب تفاوضية تعيد تمثيل المركز داخل الهامش، بدلًا من تمثيل الهامش داخل المركز، فتنتقل من بندقية “التحرير” إلى حقيبة “السيادة”، ومن خندق القتال إلى فنادق التفاوض.
عن تسريبات رشان أوشي وفضيحة الواقع
لم تكن التسريبات الصحفية التي نشرتها رشان أوشي مجرد حدث إعلامي عابر، بل كشفت عن واقع مقلق عميق؛ حيث تتلقى حركات مسلحة دعمًا خارجيًا وتخطط لتقويض ما تبقى من الدولة، وتصرح صراحة بأنها لن تقبل إلا بما يتناسب مع تضحياتها، في إشارة واضحة إلى أن منطق الغنيمة لا يزال هو المسيطر. ردود الأفعال المتشنجة التي تبعت تلك التسريبات كشفت فقدان بعض الحركات توازنها الأخلاقي والسياسي؛ إذ لم يكن الرد بالحجج أو التوضيح، بل بالتهديد والتخوين، مما يطرح تساؤلات صعبة حول مدى جديتها في التحول إلى فاعلين مدنيين ضمن العملية السياسية الديمقراطية. والأسوأ من ذلك، أن بعض هذه الحركات اتخذت من الاتفاقات الدولية مظلة للتمدد العسكري، مطالبة باعتراف سياسي يُفرض تحت وطأة السلاح، لا عبر تفويض شعبي حقيقي.
من يملك السلاح… يملك القرار في الدولة
من أخطر التحولات التي شهدها السودان خلال العقدين الماضيين هو تدمير مبدأ “احتكار الدولة للعنف”. فالبلاد تحولت من جيش وطني مُهيكل إلى مليشيات مسلحة كالدعم السريع، وحركات مسلحة ذات أجندات إثنية وجهوية، وصار السلاح سلعة سياسية تحدد الوزن النسبي لأي فاعل. يحذر المفكر السياسي شارلز تيلي في كتابه “الحرب وصنع الدولة” من أن الدولة التي تفوض وظائفها الأمنية لمليشيات تتحول من كيان سيادي إلى مجرد وسيط بين جماعات العنف. وهذا بالضبط ما نعانيه اليوم في السودان: دولة تفاوض حاملي السلاح لا ممثلي الشعب، تمنح الشرعية لأولئك الذين يهددونها، لا لأولئك الذين ينتخبونها. وللأسف، بدأت أجيال جديدة تعيش تحت قناعة أن السياسة تُنتزع بالبندقية لا تُكسب عبر صناديق الاقتراع.
الدعم السريع… النتيجة لا السبب
الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 بين الجيش والدعم السريع لم تكن حدثًا مفاجئًا، بل كانت نتيجة حتمية لمسار طويل من التراخي في بناء مؤسسات الدولة، وترك وظائفها السيادية في يد أمراء الحرب الذين فرضوا واقعهم بالقوة. الدعم السريع، كما غيره من الكيانات الشبيهة، هو تجسيد حقيقي لغياب الدولة، وليس خرقًا مفاجئًا لها. وهذا يضعنا أمام خيار واضح وصريح: إما إعادة بناء الدولة على أسس مدنية ومؤسسية صحيحة، أو الدخول في عصر “السلطة المتعددة”، حيث لكل جهة جيشها وسلاحها وخريطتها السياسية الخاصة.
هل يعيد التاريخ نفسه؟ أم نحن من نُعيد الكارثة؟
غالبًا ما يُقال إن التاريخ يعيد نفسه، لكن الحقيقة أن الشعوب هي من تُعيد إنتاج فشلها. نحن نكرر استنساخ أنظمة ونُكرّر ذات الخطايا والترتيبات التي تولد الأزمات نفسها. نوقع اتفاقات سلام تنتج حروبًا جديدة، ونقسّم السلطة بدلاً من بناء دولة قوية. والسؤال اليوم لم يعد “هل نتجه نحو كارثة جديدة؟” بل أصبح “هل لدينا إرادة جماعية حقيقية لقطع هذا المسار؟”. فالدولة لا تُبنى على التهديد المستمر، ولا تُحمى بالحركات المسلحة، بل تُأسس على التوافق الوطني، والعدالة، والمواطنة الصلبة. لا يجب أن يُقايض سلاح الدولة بسلاح الجماعات، بل يجب أن يصبح السلاح مرجعية واحدة لا تُنازع.
ختامًا: الدولة ليست فندقًا للمتمردين السابقين
إن بناء الدولة الحديثة في السودان يتطلب قطعًا واضحًا مع منطق الغنيمة، ومأسسة حقيقية لاحتكار العنف، وإغلاق باب التفاوض مع الجماعات المسلحة التي لا تنوي الانخراط في العملية السياسية كأحزاب مدنية مسؤولة. الدولة ليست فندقًا يُمنح لمن يطرق بيده، لا بصوته، وليست منصبًا يُمنح لمن رفع بندقية ثم وقع على اتفاق. هي كيان قانوني وأخلاقي يُبنى بالمؤسسات، لا بالخنادق. السودان يحتاج اليوم إلى مشروع وطني شامل لا مكان فيه إلا لجيش واحد، وولاء واحد، وشرعية واحدة: شرعية الشعب.
اقرأ ايضا: صنم الوحدة : حين تصبح الجغرافيا دينًا والدولة إلهًا

