جميع الدول ذات القوميات المتعددة _والتي غالباً ما تكون شديدة التطرف في ما بينها_ ينتهي بها المطاف لخيارين لا ثالث لهما. الأول أن تنقسم إلى العديد من الدول؛ ما يمكن كل دولة حديثة من رعاية مصالح القومية التي تمثلها، وذلك إما أن يكون سلمياً أو بعد قتال طويل، وفي الغالب ما يكون الأمر خاضعاً لأصوات البنادق.
أما الخيار الثاني فهو أن تقوم الدولة أياً كان شكل السلطة القائمة بها، بقمع كل تلك القوميات ووضعها تحت ضغط رهيب في شكل من أشكال الديكتاتورية الطاحنة للشعوب؛ وهو الأمر الذي سيفضي في النهاية لذات الخيار الأول وبشكل أكثر ضراوة.
النهر والبحر يفضل السلام على العنف
مشروع “النهر والبحر” في أصله مشروع انفصال سلمي قائم على حقوق القوميات التي يمثلها جغرافياً وعرقياً، يقود الأمور باتجاه خروج آمن لكل المجتمعات من جسد الدولة المعتل منذ نشأته؛ فالبلاد قد قامت على أسس باطلة أقامها المستعمر بإدخال مجتمعات وتكوينات وجغرافية جديدة أخلت بالنظام الطبيعي الذي كانت تقوم عليه المجتمعات في المنطقة؛ وهو الأمر الذي أفضى إلى فشل الدولة وإستعلاء خطابات المظلومية في كل البلاد ودعاوي التهميش والخطابات العرقية في غرب السودان، ليتوج هذا البلد بلقب أطول الحروب الأهلية في افريقيا ويقترب من أطول حروب العالم.
ظل التباين بين المجتمعات في السودان واضح للجميع ولا يخفى على أحد، ولكن صنم القومية الزائفة ودعاوي المشاريع ذات الآيدلوجية التوسعية أبت إلا أن تضرب بكل ذلك الوضوح عرض الحائط واختارت الخيار الثاني، لتكون بذلك تقمع القوميات المختلفة في البلاد تحت راية محسوبة على قوميات بعينها، فحملت تلك القوميات اللوم على فعائل السلطة، وهي للسخرية أيضاً قد تعرضت للظلم والتهميش من السلطة نفسها التي تلقت اللوم بالنيابة عنها، بيد أن القوميات الأخرى كما في جنوب السودان وغرب السودان وجنوب النيل الأزرق قد وجدت ضالتها لتمارس خطابها العنصري تجاه تلك القوميات التي ادعت أنها تجسد ما اسمته “بالمركز”. لنجد أنفسنا أمام حروب أفضل نتائجها الانفصال وأسوأها إعتلاء تلك القوميات لسلم السلطة والتنكيل بمن ادعوا أنهم ظلموهم.
يوغسلافيا نموذجاً لدولة تعددت قومياتها فانقسمت إلى عدة دول بالخيارين سلماً وحرباً
كانت يوغسلافيا دولة كبيرة مكونة من العديد من القوميات المختلفة التي كانت ذات تباين واضح وظلت تطلب لها وطناً خاصاً بها في فترة شهدة أوروبا كلها إنقسامات. كانت يوغسلافيا قد تأسست سنة 1918 بعد الحرب العالمية الأولى بضم أراضي من الإمبراطورية النمساوية_المجرية_ والمملكة الصربية، وبعد الحرب العالمية الثانية أعلنت جمهورية يوغسلافيا الاتحادية الإشتراكية عام 1945 بقيادة جوزيف بروز تيتو وتكونت من ست جمهوريات: صربيا، وكرواتيا، وسلوفينيا والبوسنة والهرسك، ومقدونيا، والجبل الأسود، بالإضافة لإقليمين ذاتيي الحكم داخل صربيا وهما: كوسوفو وفويفودينا.
رسخ حكم تيتو 1945 إلى 1980 الممتد منذ إعلانها جمهورية إشتراكية في التوازن بين تلك القوميات المختلفة حتى وفاته، لتبدأ بعد ذلك سلسلة من الأزمات الاقتصادية والسياسية؛ التي ساهمت في اشتداد النزعات القومية. ساهم صعود سلوبودان ميلوشيفيتش في صربيا 1989أعاد النزعة المركزية الصربية وهو ما أثار القلق لدى القوميات الأخرى، فأعلنت كل من سلوفينيا وكرواتيا الاستقلال في 1991 تبع ذلك حرب لم تدم طويلاً في سلوفينيا وحرب أخرى أهلية في كرواتيا.
على ذات الصعيد وبشكل أكثر عنفاً أعلنت البوسنة والهرسك استقلالها في العام التالي 1992 ؛ وهو الأمر الذي فجر حرباً دموية استمرت لثلاث أعوام. لتعقب كل ذلك تفكك الدولة المسماة يوغسلافيا إلى دول تحمل ذات أسماء الجمهوريات والأقاليم التي كانت تمثل القوميات المختلفة؛ واضعة بذلك نموذجاً فريداً وطرحاً لجميع الدول ذات التعدد القومي، لتواجه الحقيقة الأكيدة التي تجعل وجودها رهين الديكتاتوريات المتطرفة أو الحرب.
ظل مشروع النهر والبحر ينادي كثيراً للخروج بالقوميات المتماثلة إلى تكوين دولة تراعى مصالحها، وفي ذلك مصالح عديدة منها الخروج من القمع والديكتاتورية، والإبتعاد عن الحروب التي ظلت تستنزف موارد الجميع وتعطل حركة التمية لتضعنا في مؤخرة الأمم.
حرب ابريل دليل صدق لدعاوي النهر والبحر
حرب ال 15 من ابريل والتي نعيشها حالياً هي دليل قاطع على ما ظل تيار النهر والبحر يحذر منه طوال السابقة، وهو ما قابله المجتمع_لجهله_ بالسخرية والضحك. إلا أن التجربة قد أثبتت أنها كانت رؤية عالمة لحقيقة التكوين السياسي والمجتمعي في السودان، وهو بلا شك ما ساهم في سهولة توقع التيارات النهرو_بحرية للحرب بسهولة ورؤيتها من على بُعد عام، إلا أن الصراع هو ذاته يتكرر على طول السنين في السودان فتجاهلت التيارات ذات الآيدلوجية التوسعية التي ترعى شعارات القومية الواحدة الزائفة كل التحذيرات؛ لتجد البلاد نفسها في وسط حرب أشد ضراوة بدأت في عاصمة الدولة ومركزها وامتدت ليشمل ضررها كل السودان مخلفة خسائر في الأرواح والأموال يصعب تعويضها، ومخلفة شرخ مجتمعي عنيف لا يمكن تجاهله أبداً حتى بالنسبة لتلك التيارات. الآن وبعد فوات الأوان نجد أنفسنا أمام ما دعى له النهر والبحر وقت السلم ولكن بتكلفة أكبر يدفع ثمنها المواطن.
الآن الجميع يتكلم عن الانفصال ويدعو له وكل ذلك على بقايا وطن مزقته الحرب وعداء مؤجل مع دول كان من المفترض أن تكون جارة لا عدوة. شعارات القومية الواحدة ليست سوى دعاوي باطلة لا تخدم تكوينات الدولة الحديثة، ولا ترعى متطلبات الأمم التي نشأت في عصر الحداثة، بل إن تلك الخطابات قد أثبتت فشلها في كل مكان حتى غدت نوعاً من الخطابات التي يوجهها من يريد أن يكون استعمارياً أو نازياً. من حق الجميع أن يحظى بفرصة أن تكون له دولته التي يريد مع القوم الذين يريدهم.
اقرأ ايضا: تحرير مدينة بارا .. من رؤى العمسيب إلى واقع تحرير اراضي النهر والبحر


