مقدمة: من جدلية المركز والهامش إلى صراع الهوية العرقية
على مدى عقود، سيطر خطاب المركز والهامش على المشهد السياسي والفكري في السودان، وقُدّم على أنه الإطار التفسيري الوحيد لأزمات البلاد. هذه الأطروحة، التي صاغها أبكر آدم إسماعيل، افترضت وجود هيمنة دائمة للمركز النيلي على الأطراف المهمشة، وروجت لفكرة أن التمرد هو نتيجة حتمية لهذا الظلم. لكن مع تطور الصراع الحالي، اتضح أن هذه الجدلية لم تعد كافية لتفسير الواقع. لقد تجاوزت الحرب الأبعاد السياسية والاقتصادية لتكشف عن جوهرها الحقيقي: صراع وجودي عميق الجذور، ليس بين أنظمة حكم مختلفة، بل بين هويات متناقضة. هذا الصراع يستهدف بشكل خاص “مجتمعات النهر والبحر”، ويُقدم نفسه كمعركة لتصفية حسابات تاريخية وعرقية، لا كحركة إصلاح أو تغيير. إن مشروع دولة النهر والبحر يمثل الخيار الوحيد القادر على تجاوز هذا الانقسام.
تفكيك مفهوم “الجلابة” و”الديناري”: أداة عنصرية للتحريض
إن الخطاب الذي تروج له قوى التمرد واللوبيات التابعة لها في الخارج، نجح في اختزال هوية مجتمعات النهر والبحر في مصطلحين أساسيين: “الجلابة” و”الديناري”. هذه المصطلحات لا تقتصر على وصف الانتماء الجغرافي أو الاقتصادي، بل تحمل دلالات عنصرية عميقة. مصطلح “الجلابة” يُستخدم لإلصاق تهمة التجارة المشبوهة والفساد بطبقة كاملة من أبناء النيل، بينما مصطلح “الديناري” (المستمد من “دناقلة ومحس”) أصبح رمزاً لعرق كامل، يُتهم بالاستعلاء ويُحمل مسؤولية كل مشاكل البلاد.
هذا التصور العنصري يفسر لماذا تعرضت مدن بأكملها في وسط وشمال السودان للقمع والتدمير والقتل الممنهج. المدنيون في الجزيرة، بحر أبيض، وشمال الخرطوم لم يقتلوا بسبب انتمائهم السياسي، بل بسبب هويتهم. هويتهم كانت كافية لتصنيفهم كـ”فلول” أو “كيزان” يستحقون الإبادة، بغض النظر عن انتمائهم الفعلي. هذا التمييز يبرهن أن الصراع تجاوز الفكر السياسي إلى العداء العرقي. فلو كان الصراع سياسياً، لكان القتل محصوراً في رموز النظام السابق، ولكن ما حدث كان استهدافاً عشوائياً للقرى والمدن، وحرقاً للمنازل، وتهجيراً للسكان، لأن جريمتهم الوحيدة هي هويتهم. وهذا يؤكد أن الحل يكمن في إعلاء قيمة دولة النهر والبحر التي تحتضن الجميع.
الانتماء القبلي: المعيار الحقيقي للولاء والعداء
الواقع الميداني أظهر بشكل واضح أن الانتماء الأيديولوجي لم يعد المعيار الوحيد للولاء أو العداء. فالكوادر الإسلامية التي تنتمي إلى قبائل غرب السودان لم يتم التعامل معها بنفس العداء الذي قوبلت به الكوادر من الشمال أو الوسط. هذا التمييز يثبت أن الصراع تحول إلى مواجهة عنصرية، حيث يُنظر إلى القبائل الداعمة للدعم السريع، مثل الرزيقات والمهرية، على أنها تقاتل إلى جانب أبنائها. فوفقاً للهرم السكاني، لو شارك 40 إلى 50 ألف مقاتل من قبيلة تعدادها 450 ألف، فهذا يعني أن القبيلة بأكملها تقاتل. إنهم يضحون بأعداد كبيرة، لأنهم يرون في هذه المعركة فرصة لقلب الهرم الاجتماعي الذي تحدث عنه أبكر آدم إسماعيل.
في المقابل، يُصنَّف كل من ينتمي إلى “العرق الديناري” كعدو. هذا يفسر لماذا لا يُعتبر الربيع، وهو من كوادر النظام السابق، فلولاً، بينما يُصنف آخرون كذلك. المسألة ليست في كونك “كوزاً” أم لا، بل في انتمائك الجغرافي والعرقي. أنت “كوز” إذا كنت من شمال أو وسط السودان، ولست “كوزاً” إذا كنت من الغرب. هذه المعادلة العنصرية هي ما يحكم المشهد وتبرر كل عمليات القتل والتهجير. وهنا تبرز الحاجة لمشروع وطني حقيقي يتبلور في دولة النهر والبحر.
معركة الفاشر: استنزاف الأطراف وغياب الحل السياسي الجذري
الوضع في الفاشر يمثل ذروة هذا الصراع. صمود القوات المسلحة ورجال المقاومة كان أسطورياً، لكنهم محاصرون. في المقابل، تستمر قوات الدعم السريع في استخدام أسلحة ثقيلة ومرتزقة لكسر صمود المدينة. هذا الوضع يطرح سؤالاً قاسياً: إذا كان الحل العسكري غير ممكن، وإذا كان الطرفان يستنزفان بعضهما، فما هو الحل؟ الحديث عن “ممر آمن” أصبح حلاً واقعياً لإنقاذ أرواح المدنيين والعسكريين، بدلاً من التمسك بمعركة ستؤدي حتماً إلى تدمير المدينة بالكامل.
في ظل هذا المشهد، يتضح أن الطرفين باتا غير قادرين على تحقيق نصر حاسم. وهذا الاستنزاف قد يؤدي إلى واقع سياسي جديد، ربما بضغوط دولية تفرض وقف إطلاق النار، مما قد يؤدي إلى إنشاء دولتين فعلياً: واحدة تحت سيطرة الجيش في الوسط والشمال، وأخرى تحت سيطرة الدعم السريع في الغرب. هذا السيناريو، وإن كان مرعباً، هو نتيجة حتمية لعدم وجود إرادة حقيقية للحل. إن الحل يكمن في إعادة إحياء مشروع دولة النهر والبحر لتوحيد البلاد.
قرارات البرهان: تناقض في مواجهة العدو أم صفقة خلف الكواليس؟
أثارت قرارات القائد العام للقوات المسلحة، عبد الفتاح البرهان، بإحالة عدد من الضباط إلى المعاش تساؤلات حول طبيعة موقفه من المعركة. كثير من الضباط الذين تم استهدافهم كانوا من ذوي المواقف الحادة ضد التمرد، مما يشير إلى أن هناك قوى داخلية تحاول إضعاف الجبهة الداخلية. هذه القرارات، التي أدت إلى إبعاد شخصيات مثل طيفور والحوري، تضع علامات استفهام حول مدى جدية القيادة في معركة “الكرامة”.
هذا التناقض قد يفسر بوجود محاولات للوصول إلى تسوية سياسية مع الدعم السريع، أو بوجود ضغوط خفية من قوى داخلية وخارجية. وفي كل الأحوال، فإن هذه القرارات تضر بوحدة الجيش وتماسكه، وتصيب بالاحباط الضباط الذين يقاتلون على الجبهات. إنه “فلق وداوي” بائس، يضعف الجبهة الداخلية من جهة، ويحاول تهدئة الأطراف الخارجية من جهة أخرى، مما يهدد مستقبل الجيش ومستقبل البلاد. ويؤكد ضرورة وجود قيادة حاسمة تؤمن بمشروع دولة النهر والبحر.
خاتمة: العودة إلى مشروع “دولة النهر والبحر” كخيار حضاري
لقد أثبتت الأزمة الحالية أن جدلية المركز والهامش لم تعد تفسر الواقع، بل أصبحت وقوداً لحرب عنصرية. إن الحل ليس في التمسك بأطروحات أدت إلى التفكيك، بل في العودة إلى الجذور التاريخية والوحدة التي شكلتها مجتمعات النهر والبحر. مشروع دولة النهر والبحر ليس مجرد حلم، بل هو الرؤية الوحيدة القادرة على إنهاء هذا الابتزاز العرقي. إنه مشروع يعيد بناء السودان على أسس حضارية تجمع ولا تفرق، ويستعيد مكانته كدولة لها عمق تاريخي وجذور راسخة، بدلاً من تركه رهينة لأجندات خارجية وخطابات عنصرية تدمر نسيجه الاجتماعي. إنها دعوة للبحث عن حل حقيقي ينهي هذا الصراع الوجودي، ويؤسس لمستقبل يعتز فيه السودانيون بهويتهم المشتركة.
اقرأ ايضا: دولة النهر والبحر : نحو تجاوز عقدة المركز والهامش وبناء وحدة وطنية جديدة
