في خضم الحرب المدمرة التي تعيشها البلاد منذ أكثر من عام، تتفاقم أزمة صامتة لكنها لا تقل خطورة: سد النهضة الإثيوبي، الذي تحول من مشروع تنموي مزعوم إلى أداة استراتيجية تتحكم بها أديس أبابا في مصير ملايين السودانيين. المفارقة أن الضرر لا يصيب كل السودان بالتساوي، بل يستهدف شماله وشرقه ووسطه، حيث تتمركز الزراعة المروية والمشاريع القومية الكبرى، وحيث يعيش من يسمَّون اليوم بـ”المنسيين” في الخطاب الرسمي والإعلامي.
الزراعة تنهار.. والحكومة غائبة
الزراعة في مناطق مثل الجزيرة، القضارف، نهر النيل، والشمالية تعاني من أزمات متداخلة: تذبذب مياه الري، انقطاع الإمدادات، وغياب الدعم الفني. ومع ذلك، لم تضع الحكومة – التي تنشغل بالحرب وتقاسم السلطة – أي خطة واضحة لحماية هذه المناطق من التأثيرات المتصاعدة لسد النهضة.
بل إن الحكومة الحالية، التي تدار من غرف الحرب وصفقات الخارج، تتعامل مع سد النهضة وكأنه ملف ثانوي، متجاهلة أن التحكم الإثيوبي في المياه أصبح يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي الوطني، خاصة في ظل توقف حركة الإنتاج في غرب البلاد، وتضرر التجارة في
.فيضان 2020.. والدرس الذي لم يُستوعب
فيضان النيل عام 2020 لا يزال محفورًا في ذاكرة سكان النيل الأزرق والخرطوم ووسط السودان. فقد دمّرت السيول حينها مشاريع زراعية وبنية تحتية بالكامل، وسط غياب تام للتنسيق مع إثيوبيا، التي خزنت المياه في سد النهضة دون إخطار أو شفافية.
كان ذلك الحدث رسالة واضحة: حين تغيب الإدارة والتنسيق، يمكن أن تتحول مياه النيل من مصدر حياة إلى أداة دمار. ورغم هذا، لم تبادر الحكومة بأي خطوات وقائية ملموسة، بل تُركت المناطق المتضررة تواجه مصيرها وحدها.
مناسيب مضطربة.. ومزارعون بلا حول
في الموسم الحالي، شهد السودان انخفاضًا غير طبيعي في مناسيب النيل، مما أربك خطط الزراعة في كل من الجزيرة ونهر النيل والشمالية. هذه المناطق تعتمد على دورة مائية منتظمة، وأي تأخير أو انخفاض في المياه يعني فشلًا مباشرًا في الموسم الزراعي، وهو ما ينعكس سلبًا على أسعار الغذاء وتوفره في الأسواق.
ورغم خطورة الوضع، لم تعلن الحكومة حتى الآن عن خطة طوارئ لمواجهة هذه التغيرات، ولا عن دعم عاجل للمزارعين الذين أصبحوا عاجزين عن مواصلة الزراعة في ظل هذه الظروف.
الحرب تعمّق الجرح
في الوقت الذي يعاني فيه السودان من تداعيات الحرب الأهلية، تم قطع سلاسل الإمداد والتمويل، وخرجت كثير من المناطق من دائرة الدعم والقرار. ومع انشغال الحكومة بالصراع المسلح، تجد المناطق الزراعية في الشمال والشرق نفسها خارج الحسابات، رغم أنها المصدر المتبقي للغذاء في البلاد.
فالولايات الغربية في حالة انهيار شبه تام، والوسط والشمال تحمّلا العبء الأكبر في الإيواء والإنتاج، دون أن يقابَل ذلك بأي دعم حقيقي من الدولة. وهنا يظهر سد النهضة كمضاعِف للأزمة، حيث أصبحت المياه نفسها غير مضمونة، مما ينذر بانهيار شامل في القطاع الزراعي.
خيارات البقاء.. وصوت المزارعين
أمام هذا الواقع، على الدولة – إن كانت لا تزال تملك إرادة وطنية – أن تتحرك فورًا ضمن خطة إنقاذ حقيقية تشمل:
- إنشاء سدود تخزينية داخلية في مناطق نهر النيل والجزيرة والقضارف.
- إعادة تأهيل نظم الري لتقليل الاعتماد على الفيضان.
- إطلاق مركز وطني للإنذار المبكر ومراقبة مناسيب المياه بالتكنولوجيا الحديثة.
- تحالف استراتيجي مع مصر لتنسيق المواقف والضغط على إثيوبيا باتجاه اتفاقيات ملزمة.
- إغاثة عاجلة للمزارعين في الشمال والوسط والشرق، باعتبارهم خط الدفاع الأخير عن الأمن الغذائي.
من يتحكم في الماء يتحكم في المصير
إن ما يحدث اليوم يؤكد أن من يمسك بصنبور الماء يمسك بمصير الشعوب. ومادام سد النهضة يُدار بشكل أحادي دون رقابة أو التزام، فإن أمن السودان الغذائي، وخصوصًا في مناطقه الزراعية الأساسية، سيبقى مهددًا. إذا لم تتحرك الحكومة بشكل جاد، فإن هذه “القنبلة المائية” قد تنفجر في وجه السودان بأكمله، لكن شماله وشرقه ووسطه هم من سيدفعون الثمن أولاً.
اقرأ ايضا: قرار الحرب والانفصال في دارفور: خيار نخبة دارفور وليس الدولة

