Site icon الديوان

صنم الوحدة : حين تصبح الجغرافيا دينًا والدولة إلهًا

صنم الوحدة

صنم الوحدة

لم تكن فكرة “وحدة السودان” في أي وقت أقرب إلى الانهيار مما هي عليه الآن. فالواقع الجغرافي والاجتماعي يتشظّى، بينما يتشبث البعض بخريطة ورقية ميتة، لا تعني سوى استمرار امتيازات ضيقة مغلّفة بشعارات وطنية فارغة. لقد تحوّلت هذه ” الوحدة ” إلى صنم من عجوة، يأكل منه أدعياؤها حين يضيق بهم المقام، ثم يعيدون تشكيله بنفس القداسة الزائفة كلما لزم الأمر.

هذا الصنم ليس نتاج رغبة في التعايش أو مشروع وطني متكامل، بل هو قناع تتخفى خلفه نخبة سياسية اعتادت ابتلاع الدولة باسم “الوحدة”، بينما تمارس تمزيقها عملياً عبر التمييز، التهميش، وتقاسم السلطة بالسلاح.

“الوحدة” كأداة للهيمنة

في المشهد السوداني الراهن، لم تعد الوحدة تعني الالتقاء على قاعدة المواطنة المتساوية، بل أصبحت أداة للابتزاز السياسي وللشرعنة الميليشياوية. فالحركات المسلحة التي دخلت السلطة عبر اتفاقات السلام، لم تفِ حتى بالحد الأدنى من التزاماتها. بل إن تقارير متتالية وتسجيلات مسرّبة تكشف عن انسحابها من جبهات المواجهة، وتهديدها المتكرر بالتحالف مع خصوم الدولة، إن لم تُمنح المزيد من الامتيازات.

هذه ليست مجرد خروقات سياسية، بل انتهاكات أخلاقية، تُقابل بصمت مطبق. ذلك أن من ينتقدها يُتهم بالخيانة، أو العنصرية، أو بـ”تفتيت السودان”، في حين تمارس تلك الحركات تقسيماً واقعياً للدولة دون رادع. هذا الصمت، هو في جوهره قبول بانقسام عملي، يجري تسويقه على أنه “وحدة”، بينما هو لا يعدو أن يكون هندسة جديدة للسلطة، لا علاقة لها بالمصلحة العامة.

أربعة أنماط من ازدواجية الموقف

لفهم المشهد بصورة أوضح، يمكن تصنيف المواقف من قضية الوحدة والانفصال إلى أربعة أنماط متداخلة، يجمعها التناقض في المبدأ والانحياز في التطبيق:

1. المدافعون عن امتيازات السلطة باسم الوحدة

اولاً.. من يهاجم دعاة الانفصال، لا يفعل ذلك بدافع وطني محض، بل وفق زاوية سياسية ضيقة وهو تعرية المنادين بوحدة السودان وسعارهم تجاه كل من ينادي بحقه في البحث عن استقرار دائم بعيداً عن المناطق التى تصدر العنف واللصوص اليه، فهم ما فتئوا ينهشون لحومنا رامين علينا كل تهم العمالة والخيانة دون استقراء للواقع ودون حتى فتح باب الحوار السياسي لترك المجال مفتوحاً للوصول لنتيجة مفيدة عبر الرد على السردية التاريخية التى تتقدم بقوة.

هؤلاء الوحدويين يتظاهرون بالدفاع عن وحدة السودان، لكنهم في الحقيقة يحاربون فقط من يهدد امتيازهم السياسي. يصمتون عن جرائم الحركات المسلحة، وعن التقسيم الفعلي للسلطة والثروة الذي تم بالسلاح لا بالصناديق. عندهم، الانفصال خيانة إن أتى من جهات لا تمثلهم سياسياً، لكنه “تفكير مشروع” إذا مارسه حليفهم التكتيكي. هذه الفئة تعيش ازدواجية صارخة، حيث تُجرّم المناداة السلمية بالانفصال، وتُبرر الاحتلال الفعلي لمفاصل الدولة من قبل مجموعات مسلحة لا شرعية انتخابية لها.

2. المترددون خوفاً من زعزعة التحالفات

إن تجاوزات الحركات المسلحة التي تزيد يوماً بعد يوماً في حق المواطنين ثم في حق القيادة نفسها كانت بمثابة الحجر الذي التقمه مدعو الوحدة والمنافحين عن كل ما يأتي من تلك الأصقاع الموغلة في الجاهلية متناسين أن هذا بالضبط هو ما يرسخ فكرة الإنفصال يوما بعد يوما ويحيلها لواقع التنفيذ العملي.

هذه الفئة تدعي الحياد او البقاء في المنتصف في انتقادها لجرائم الحركات المسلحة، فهي لا تنتقد الحركات المسلحة صراحة، مخافة أن يضعف ذلك من الجبهة العسكرية ضد العدو الظاهر. لكنها تغفل أن هذه الحركات نفسها لا تبدي ذات الحرص، وتمارس الابتزاز السياسي يومياً، وتُجيد التهديد بالانسحاب أو الانقلاب مقابل امتيازات سياسية ودبلوماسية، وكأن الدولة رهينة في يدها. هذا التواطؤ باسم “الوحدة ضد العدو المشترك” هو ما يمنح الحركات فرصة مواصلة تفتيت الدولة من الداخل.

ومن المفهوم من يتبنى هذا الموقف (الحياد اللا أخلاقي) لانتماء سياسي أو أيديولوجي من هذا الطرح، غير أن فئة أخرى تتجنب خوض هذا المسلك تخوفا من زعزعة التحالفات القائمة، إذ أن النقد العلني للحركات قد يُضعف الجبهة العسكرية، لكن تصفعهم هذه الحركات أنها ليست بذات الحرص إلا على الإمتيازات التي تتحصل عليها وتمارس الإبتزاز للمحافظة عليها والتغول على المزيد.

3. من يرفض الانفصال لكنه يبرر أدواته

هذه الفئة الثالثة لا تعي ما وقعت فيه من ازدواجية أخلاقية برفضها أي دعوة للانفصال كتهديد للوحدة، لكنها دون أن تشعر فإنها تبرر ممارسات تُمزّق الوحدة عملياً. هذه الفئة تبدو في ظاهرها مدافعة عن وحدة السودان، لكنها – من حيث لا تدري – تبرر الانقسام من خلال دعمها الضمني أو صمتها على ممارسات الحركات المسلحة. هي تتغافل عن انتهاكات ميدانية وجرائم ضد المدنيين، وتلتمس الأعذار لها تحت ذرائع “الحساسية التاريخية” أو “الخصوصية الجهوية”، دون إدراك أن السلاح الذي لا يُدان، يصبح سابقة تُعيد إنتاج العنف لا الوحدة.

4. المقدسون للمظلومية الرمزية

الفئة الأخيرة -ويمكن إدراجها ضمن الفئة الأولى- هي من تحفل بالتقديس الرمزي للمظلومية إذ أن أي طرف ارتبط تاريخه بالمظلومية يُمنح “حصانة أخلاقية” ضد النقد، حتى لو أصبح معتديً وحتى لو كانت هذّه المظلومية ادعاءاً لا أكثر وحتى لو لم يمكن للآخرين دور فيها.

أخطر الفئات هي تلك التي تُضفي قداسة أخلاقية على المظلومية التاريخية، فتمنح من ارتبط بها حصانة تامة من النقد، حتى لو تحوّل إلى معتدٍ وانقلابي. هذا التمجيد للماضي يحوّل السياسة إلى محكمة انتقائية، لا تعترف بالعدالة إلا إذا جاءت من الطرف “الصحيح” تاريخياً، أما الضحية الجديدة فليست إلا “تفصيلاً جانبياً”. بهذا المنطق، تُفرّغ القيم من مضامينها، ويُصبح الظلم مبرراً لا يُدان إذا ارتكبته فئة “مقدسة” تاريخياً.

حين تصبح المظلومية سلاحاً و الوحدة غاية

من ذلك نستخلص أن من يدّعي الدفاع عن وحدة السودان لكنه يصمت عن الحركات المسلحة المنتهكة للمدنيين وإقرار تقسيم فعلي للسُّلطة والثروة بالسلاح هو في الواقع لا يدافع عن الوحدة بل عن امتياز سياسي مهدد لفئة دون غيرها. والمفارقة أن من يُخوّن دعاة الانفصال – ولو كانوا يطرحون مشروعاً سلمياً لإعادة بناء الدولة – هو ذاته من يمنح الشرعية السياسية والاقتصادية والعسكرية لحركات تقوّض الوحدة فعلياً كل يوم. هذا الانحراف في الميزان الأخلاقي والسياسي يجعل “الوحدة” عبئاً لا مشروعاً. بل إنها، بهذا الشكل، تمثل عبئاً وجودياً على أطراف ظلت لسنوات تُعاقب باسمها، دون أن تجني منها سوى العنف والتهميش والتخوين.

هل الانفصال خيانة؟

إن من يرفض حتى مناقشة فكرة الانفصال باعتبارها “خيانة وطنية”، يختزل الوطن في شكل جغرافي فارغ من المضمون. بينما الحقيقة المؤلمة هي أن الوحدة الحالية لا تُنتج سوى التفاوت، ولا تخلق سوى الانقسام. وإذا لم تُعاد هيكلة الدولة على أسس العدالة، والتمثيل الحقيقي، والمحاسبة المتوازنة، فإن الانفصال سيتحوّل من “مطالبة نُخَب” إلى “غريزة شعوب”.

ختاما.. فان الوحدة ليست قدراً منزلاً، ولا خريطة مرسومة على كتاب. إنها مشروع سياسي مشترك، لا يقوم إلا على عقد اجتماعي عادل. وإذا ظل هذا العقد مفقوداً، فكل حديث عن “الوحدة” لا يعدو أن يكون تكراراً لعبادة صنم – من عجوة – ينهار في كل مرة تقرر النخب أن تأكله.

اقرأ ايضا: حصان دارفور : مناورة الحركات المسلحة القادمة في قلب المدن

Exit mobile version