في الفترة الأخيرة، وبعد أن اتضحت ملامح مشروع الحركات المسلحة لوراثة الدعم السريع، وصمت الوحدويين المطبق عن انتهاكات حركات إقليم دارفور المسلحة وخطابات الكراهية التي تصدرها ضد مجتمعاتنا، شهدنا تمددًا كبيرًا للتيار الانفصالي. لم تعد النقاشات تدور حول سؤال “هل دارفور ستبقى أم ترحل؟” بل اتجهت نحو “كيف سترحل دارفور؟”. هذه النقاشات تدور تحديدًا داخل الطبقة الوسطى المنتمية لمجتمعات شمال ووسط السودان، والموجودة بشكل أساسي في مصر والخليج، وكذلك كبار رجال المال والأعمال وغيرهم من المؤثرين في الدولة.
إقليم دارفور : مشكلة مستعصية وحلول معقدة
في تقديري، وصلت الكتلة الأكبر من هذه المجموعات إلى قناعة بأن إقليم دارفور يمثل مشكلة لا يمكن حلها، خاصةً عند النظر إلى تاريخ دارفور نفسه: من زمن الإنجليز حتى الآن، حاولت كل الحكومات حل مشكلة دارفور، لكن كل محاولة انتهت بصراع جديد. إلغاء السلطنة أدى إلى نزاعات. محاولة تنظيم الحواكير قوبلت برفض القبائل واشتعلت الحروب. تقسيم دارفور إلى ولايات زاد من الاستقطاب بدلًا من أن يقل. توقيع اتفاقيات السلام أدى إلى انقسام الحركات وزيادة التمردات.
هذا يوضح حقيقة بديهية جدًا، وهي أن المشكلة لم تكن في الحكومات المتعاقبة، بل في التركيبة القبلية المعقدة والنزاعات التاريخية المتجذرة. دارفور أعقد من أن تحلها الدولة، خصوصًا بعد تدمير اقتصاد البلاد بصورة شبه تامة (التقديرات حتى اليوم تشير إلى أن الخسائر في مدن وسط السودان فاقت 200 مليار دولار). وما لم يجلس أهلها لحلها، لن تُحل أبدًا. الأسوأ من ذلك كله، أن صاحب المشكلة، بدلًا من أن يضع الكرة أرضًا ويضع يده في يد الدولة المركزية ويحل مشكلته، يرمي المشكلة كلها على المقيم في الشمال والوسط، وبناءً على ذلك يريد حرق السودان كله.
التدخلات الخارجية و”المؤامرات” المزعومة
غني عن القول أن تكتيك الحركات المسلحة، القائم على شراء مجموعة من النشطاء بالتعاون مع بعض “الكيزان” التافهين والرخيصين، لإيهام سكان شمال ووسط السودان بوجود مخطط إماراتي لتقسيم البلاد، وبالتالي يجب علينا مواصلة هذه الوحدة المتأزمة والخضوع لابتزاز الحركات المسلحة بذريعة اتفاق جوبا، وتركها تنهب موارد الدولة وعلى رأسها ذهب الشمال لتمويل جيوشها وابتزاز الدولة وسكان الشمال بتدمير ما تبقى من مناطقهم، هذا التكتيك لم يعد يجدي نفعًا. ببساطة، كل الأدلة والشواهد الموضوعية تدحضه، وآخرها تقرير “African intelligence” الأخير الذي يقول إن الأجندة التي طرحتها الإمارات للتفاوض تتمثل أساسًا في أراضي الفشقة وميناء أبو عمامة. إذن، لا يوجد انفصال ولا أي “بطيخ”، ببساطة لأن دارفور عبارة عن أرض بور غير خصبة وغير مفيدة للإمارات. الهدف الأساسي للتدخل الإماراتي في السودان هو ضمان أراضي واسعة للزراعة وميناء للتصدير في إطار مشروع الأمن الغذائي، خصوصًا مع توقع موجات جفاف وتصحر في العشرية القادمة ستزيد من أسعار المحاصيل الزراعية، مما سينعكس مباشرة على أسعار السلع الغذائية، وهذا سيمثل تهديدًا جديًا للأنظمة الموجودة في الخليج.
اقرأ ايضا: الدولة الجديدة : بين انتماء العقيدة والإنتماء الثقافي والتاريخ
مستقبل إقليم دارفور : تياران متضادان داخل الجيش
بالعودة إلى موضوع “كيف سترحل دارفور؟”، فالموضوع فيه خلاف كبير، خصوصًا داخل الجيش، وهناك رأيان في هذه القضية:
التيار الأول: الحسم العسكري ثم الانفصال
هذا التيار يرى أنه يجب على الجيش الوصول إلى أم دافوق، وإفقاد المجموعات التي تقاتل تحت مظلة الدعم السريع القدرة على القتال، وهذا يحدث بتحييد أكبر عدد ممكن من الأفراد القادرين على القتال في هذه المجموعات، وبعد ذلك يأتي الانفصال عبر استفتاء أو غيره من الآليات المقترحة. هذا التيار يواجه مشكلتين حتميتين في هذا المسار:
أولا: التدخلات الخارجية والعقوبات على الجيش:
لكي يحصل هذا التيار على السلاح واللوجستيات التي تمكنه من حسم الدعم السريع عسكريًا، ويكبح جماح المنظمات الحقوقية من المطالبة بفرض عقوبات على الجيش نظرًا لطبيعة الحرب التي ستبدأ في اكتساب طابع عرقي، لا بد من التحالف مع دولة إقليمية قوية، تحديدًا (تركيا أو السعودية). المشكلة في قيام تحالف من هذا النوع، أن الجيش سيكون مضطرًا لتقديم تنازلات كبيرة جدًا مرتبطة بمسألة السيادة للحصول على القدر المناسب من التسليح والغطاء السياسي اللازم داخل البيت الأبيض للقضاء على الدعم السريع.
اقرأ ايضا : قراءات اليقظة : قراءة لمقال ” ماذا سيبقى من السودان في عام 2025؟ “
ثانيا: نقص المشاة وجبن الحركات المسلحة:
هذه هي المشكلة الثانية التي تواجه هذا التيار، خصوصًا أنه في العقد الأخير كان “الجنجويد” هم مشاة الجيش في إقليم دارفور. الحركات المسلحة ترفض طبعًا الذهاب إلى دارفور لأنها تفهم جيدًا أن معارك الصحراء المفتوحة تحدث فيها خسائر كبيرة جدًا على مستوى العنصر البشري. الحركات المسلحة، وعلى رأسها حركة جبريل، حريصة جدًا على عدم فقدان العنصر البشري الخاص بها، لأن مشروعها الأساسي هو ابتلاع الدولة وتأسيس نظام جديد على غرار نظام إدريس ديبي في تشاد، وفقدان الحركات المسلحة لقواتها يعني عدم قدرتها على المضي قدمًا في هذا المشروع.
وهذا هو مشروعها الأساسي، ولم يكن لديها مشكلة مع الدعم السريع بدليل أنها كانت على الحياد لسبعة أشهر بينما العاصمة تستباح وقادة الجيش يقصفون ليل نهار في القيادة العامة. أما فكرة تجيش المستنفرين من أبناء شمال ووسط السودان ودفعهم إلى دارفور تحت دعاوى القومية والوطن الواحد عبر أبواق الحركات المسلحة من بعض “الكيزان” و”الإنصرافي”، فقد فشلت ولم تعد تجدي نفعًا، خصوصًا في ظل الهروب المتكرر للحركات المسلحة حتى في دارفور، وآخرها الهروب من معركة المالحة. بالتالي، لم يعد هناك مقاتل من الشمال والوسط لديه الرغبة في القتال مع الحركات المسلحة، لأنه ببساطة لا يثق بها.
التيار الثاني: التركيز على الطيران والميليشيات المحلية
هذا التيار يرى أن التركيز يجب أن يكون على الطيران، وبالتحديد الطيران المسير بعيد المدى – مثل “البرقيدار” – الذي لديه القدرة على تدمير منظومات الدفاع الجوي التي استوردها الدعم السريع مؤخرًا، وبعد ذلك تدمير التجمعات الكبيرة بواسطة طيران “إليوشن” و”أنتينوف”، مع تسليح كافة مجتمعات الشمال والوسط وتنظيمها في ميليشيات كما يحدث الآن، بدءًا من الكتيبة الاستراتيجية في مروي وقوات درع أبو حمد مؤخرًا وألوية المكوك في نهر النيل وقوات درع السودان في الجزيرة وقوات عبد الله جماع في النيل الأبيض وألوية البوادرة ولواء الدحيش وغيرها من القوات. بتحرير آخر منطقة غربًا سكانها موالون للدولة، وهي دار حمر، يتم الذهاب إلى وقف إطلاق نار، وبعده يتم التفاوض والترتيبات النهائية للانفصال.
ختاما هذه هي الصورة الكبيرة والوضع الراهن في الإطار الاستراتيجي الواسع. والخلاصة النهائية هي – وبدون تفكير رغبوي – وفي كل الأحوال تم تشييع سودان ونجت باشا إلى القبر وإلى الأبد.
اقرأ ايضا: تمردات مدعومة خارجياً: من نمور التاميل إلى حزب العمال الكردستاني

