هل يعتبر نزع السلاح مؤامرة أمنية موجهة ضد الشمال والوسط؟
بتاريخ 21 مايو 2025، أصدر الفريق أول عبد الفتاح البرهان قرارًا بتفعيل مفوضية نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج (DDR)، في خطوة وُصفت بأنها تأتي ضمن جهود “بسط الأمن وفرض هيبة الدولة”. القرار أعاد إلى الواجهة جدلاً واسعاً حول طبيعة هذه الخطوة، وأهدافها الفعلية، وتوقيتها في ظل تصاعد التهديدات الأمنية ضد مكونات بعينها من المجتمع.
في الوقت الذي تُقر فيه الدولة قراراً بتفعيل مفوضية نزع السلاح، تثار تساؤلات حقيقية حول الجهة المستهدفة فعلياً من هذا القرار. فبينما تبقى الأسلحة الثقيلة والمتوسطة في يد الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا، بل وتُستخدم في النزاعات الدامية كما جرى في أحداث النيل الأزرق والدامر والدبة، تتحرك مؤسسات الدولة نحو نزع سلاح المكونات المجتمعية في الشمال ووسط السودان، تحت لافتة “فرض هيبة الدولة”.
لكن أي “هيبة” هذه، والجيش نفسه انسحب من حماية المواطنين؟ أي “عدالة” حين يُقتل الرعاة في النيل الأزرق على يد مليشيا تتبع مباشرة لمالك عقار – نائب رئيس مجلس السيادة – ثم تُكافأ هذه المليشيا بالإبقاء على سلاحها، بينما تُجرد المجتمعات المتضررة من وسائل دفاعها الذاتي؟
خلفية تاريخية: تجربة دارفور
حينما أنشأ نظام الإنقاذ مفوضية نزع السلاح في دارفور، استجابت بعض القبائل بدفن آلاف قطع السلاح، قُدّرت بثلاثة آلاف دوشكا وعشرات الآلاف من الأسلحة الأوتوماتيكية. لكن ما حدث لاحقاً كان صادماً: السلاح لم يُسحب من الجميع، بل بقي في يد الحركات المسلحة والمليشيات القبلية التي أصبحت لاحقاً فاعلاً سياسياً وأمنياً، بل وشريكاً في الحكم.
فماذا كانت النتيجة؟ اختلال في موازين القوة، وتصاعد لنفوذ العنف، وتكريس للتمييز المسلح، بحيث أصبح من يملك السلاح يفرض شروطه، بينما يُطلب من غيره أن “يثق في الدولة”.
تحالف عنصري بغطاء رسمي
ما يحدث اليوم يعيد إنتاج ذات التحيّزات، ولكن هذه المرة بطابع أكثر خطورة. فحلف جوبا – الذي يجمع عدداً من الحركات المسلحة من دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق – لا يُعامل كمليشيا خارجة عن القانون، بل كشريك في الدولة. بل إن بعض قادة هذا الحلف، كالكباشي، يستخدمون منصبهم الرسمي لتمرير مشروع نزع السلاح من مكونات بعينها، تحديداً المجتمعات العربية في الشمال والوسط والشرق، في مقابل إبقاء السلاح بيد حلفائهم.
إن تصريح الكباشي ضد “تسليح العُزّل” يتناقض تماماً مع صمته تجاه تسليح مليشيات قبلية موالية له، وتخريجه شخصياً لقوات تتبع لهويته الجهوية. كما أن تعيينه مسؤولاً عن ملف “المقاومة الشعبية” من نفس الإقليم الذي ينتمي إليه، ومنحه السيطرة على وزارة الداخلية، يشير إلى محاولة خنق أي مشروع مقاومة خارج هذا الحلف.
مفوضية منحازة تُهدد التوازن الوطني
المؤسسة الجديدة لنزع السلاح ليست محايدة. فقرار إنشائها في هذا التوقيت – بعد تدمير الجزيرة، وقتل المدنيين في الدامر والدبة، وتهجير سكان النيل الأزرق – يعزز القناعة بأن المستهدف هو السلاح الذي تحمله المجموعات العربية والمجتمعات التي شكلت “المقاومة الشعبية” للدفاع عن نفسها.
بل إن كيانات بعينها تبدو في مرمى الاستهداف: “لواء النصرة” في الجزيرة، “كتيبة الاستطلاع” في الشمالية، و”كتائب المقاومة” في نهر النيل. وهي تشكيلات ظهرت كرد فعل على تواطؤ الدولة مع الحركات العنصرية، وسعيها لتجريد هذه المجتمعات من وسائل الدفاع بينما تترك المعتدين يعيثون فساداً تحت عباءة “السلام”.
اقرأ ايضا : تفكيك المفاهيم : الأفريقانية و الهوية الزنجية، والعرق
الخلاصة: الدفاع عن النفس ليس جريمة
ليس من المقبول أخلاقياً أو سياسياً أن يُطلب من المجتمعات المتضررة أن تُسلم سلاحها، بينما يُكافأ المعتدي بالسلاح والشرعية. الدولة التي لا تستطيع حماية مواطنيها، لا تملك الحق في تجريدهم من أدوات الدفاع عن أنفسهم.
وعليه، فإن أي محاولة لنزع السلاح بشكل انتقائي ومتحيّز، ستُقابل برفض مجتمعي واسع، وقد تقود البلاد إلى مزيد من التمزق. الحل الحقيقي يبدأ بمساءلة المليشيات المسلحة، ونزع سلاح الجميع – أو لا أحد.
مصادر:

