Site icon الديوان

مجزرة بوط في النيل الأزرق : ذبح الرعاة باسم اتفاقية جوبا

حركة عقار تحرق العلم السوداني

حركة عقار تحرق العلم السوداني

في صمت رسمي مريب، استيقظت محلية التضامن بمنطقة بوط في ولاية النيل الأزرق على جريمة مروعة راح ضحيتها أربعة من الرعاة الأبرياء من عرب رفاعة، قُتلوا بدم بارد، ونُهبت ماشيتهم، وأُصيب خامس بجراح خطيرة. جريمتهم الوحيدة كانت انتماؤهم إلى مكوّن اجتماعي يُحاسب على أساس هويته لا على أفعاله. هذه الحادثة ليست استثناءً، بل تعكس وجهًا آخر لحرب صامتة تقودها حركات مسلحة أيديولوجية ذات توجه عنصري، تنبثق من رحم اتفاقية جوبا .

حركة مالك عقار: سجل من العنصرية والتحريض

لا يمكن فصل الحادثة عن المناخ العام الذي خلقته ممارسات وتصريحات قادة بعض الحركات المسلحة، وعلى رأسها حركة مالك عقار. فقد نشرت مقاطع مرئية تُظهر مالك عقار يحرق العلم السوداني – في فعل اعتبره كثيرون تعبيرًا عن رفض صريح لرمزية الدولة السودانية ووحدتها.

كما أدلى مالك عقار بتصريحات سابقة وصف فيها السودان بأنه “يعيش في عصر التفاهة” مشيرًا لوجود العنصرية في مؤسسات الدولة، في اشارة عنصرية ومستمرة في نفس نهج وإرث الحركة الشعبية المعادية للدولة ولمجتمعاتها ووصفها بانها دولة جلابة بمعنى دولة المجتمعات العربية وهو اساس خطاب السودان الجديد العنصري الذي تقوم عليه جميع الحركات المسلحة. وقد اتُّهمت حركة مالك عقار بتأجيج النزاعات في النيل الأزرق.

حين يتحوّل الجيش إلى غطاء للتصفية العرقية

أخطر ما ورد في التصريحات والشهادات أن بعض هذه الاعتداءات نُفذت من قبل قوات تابعة لحركة مالك عقار، أو تمّت تحت غطاء “القوات المسلحة”، وهو ما اعتبره شهود وتنسيقيات “استغلالًا لاسم الجيش لتصفية حسابات قبلية”.

“تعتبر هذه الجريمة والتي تشن تجاه مجتمعات العرب في مناطقهم الأصيلة بمثابة اعلان حرب وتمهيد لجرائم أكثر سوءا تنفذ على اساس العرق والإثنية.. يجب الغاء اتفاقية جوبا فورا ومعالجة آثار توسع الحركات المسلحة في مجتمعات الوسط والشمال والشرق بشكل فوري” – تعليق شعبي

اتفاقية جوبا: تفويض سياسي للعنصرية المقنّعة

اتفاقية جوبا للسلام (2020) رُوّج لها كمدخل للاستقرار ووقف الحرب، لكنها في الواقع مهدت الطريق لعودة الحركات المسلحة عبر بوابة الشرعية، دون مراجعة جادة لأيديولوجياتها العنصرية أو ممارساتها السابقة. حركة مالك عقار، مثال واضح، هي امتداد لحركة الجيش الشعبي لتحرير السودان، التي تأسست على أسس إثنية واضحة تستهدف المكوّن العربي، أو ما يُسمى بالجلابة، باعتباره خصمًا يجب إقصاؤه من المشهد السياسي والمجتمعي.

هذه الحركة أظهرت توجهاتها بوضوح في تصريحات عقار نفسه، وأفعال مثل إحراق العلم السوداني التي تعبّر عن احتقار للرموز الوطنية الجامعة. والأخطر من ذلك، أن عقار يشغل الآن منصب نائب رئيس مجلس السيادة في تحالف مؤقت مع الجيش، ما يجعل قواته عنصر تهديد داخلي للدولة.

حلف اتفاقية جوبا : تنوّع جغرافي ووحدة أيديولوجية

رغم اختلاف مواقع هذه الحركات بين دارفور، النيل الأزرق، وجنوب كردفان، إلا أن هناك وحدة أيديولوجية مشتركة تقوم على خطاب إقصائي صريح ضد العرب والجلابة، وسعي لتمكين ما يُعرف بـ”الزنوج” ونزع ما يعتبرونه “امتيازًا تاريخيًا للعرب” في السودان.

هذه الحركات، رغم مشاركتها في ترتيبات ما بعد الثورة، لا تزال تنظر للدولة كغنيمة مؤقتة وتحمل في جوهرها قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة والتي يرتبط مصيرها بإنهاء اتفاقية جوبا .

جريمة بوط: قتل على الهوية وسط صمت حكومي

حسب بيان تنسيقية رفاعة الكبرى، فإن الضحايا الأربعة في بوط لم يكونوا مقاتلين ولا ينتمون لأي نشاط سياسي أو عسكري، بل قُتلوا فقط لأنهم “أهل البيشي” وصُنفوا خطأً كـ”حواضن جنجويد”. وشدد البيان على أن الرعي لم يكن يومًا انتماءً لأي تمرد، ولا يبرر استهداف الأبرياء ونهب ممتلكاتهم.

المتّهمون يرتدون زي القوات المسلحة، لكنهم في الواقع يتبعون قوات عقار، التي ظلت تحتفظ بولاءاتها السابقة رغم اندماجها الظاهري في الجيش عقب اتفاق جوبا.

العرب والجلابة: الهدف غير المعلن للحرب الحالية

يتفق كثير من المراقبين على أن الهدف الخفي للحرب الراهنة هو إعادة تشكيل التركيبة السكانية والسياسية في السودان على أساس عرقي، حيث يتم تمكين مكونات “زنوجية” على حساب العرب والجلابة، الذين يُزاحون من مواقع النفوذ، إن لم يكن من الوجود ذاته.

القتل في بوط، كما في الدبة والدامر، هو تنفيذ ميداني لمشروع الإقصاء هذا، حيث تمارس كل حركة مسلحة تصفية عرقية ضمن منطقتها، في خطة صامتة لكنها منظمة وضعت اهم ركائزها في اتفاقية جوبا .

بيان استنكار من تنسيقية رفاعة الكبرى (23 مايو 2025)

تُدين تنسيقية رفاعة الكبرى بأشد العبارات الجريمة النكراء التي راح ضحيتها أربعة من الرعاة الأبرياء من عرب رفاعة. وقد جاء الاعتداء في توقيت دقيق تشهد فيه البلاد انتصارات للقوات المسلحة. ونؤكد أن استهداف أهلنا بالرعي بذريعة تمرد “البيشي” أمر مرفوض، والرعي ليس انتماءً لأي تمرد.

ندعو إلى تدخل عاجل وفوري من القيادة والحكماء لاحتواء الأزمة، محذرين من تفاقم الأوضاع إذا استمر غياب الدور الرسمي وتقاعس الجهات المعنية.

نؤكد تمسكنا بوحدة واستقرار الدولة، مع عدم ضمان ضبط النفس إذا استمر غياب العدالة وحماية المواطنين.
رابط البيان

واقع اتفاقية جوبا ومستقبل السلام في السودان

تشير المعطيات إلى أن نسبة الالتزام باتفاق جوبا بين الأطراف المسلحة والسياسية لا تتجاوز 25% فقط، بينما يشكل المنقلبون والمحايدون نحو 75% من القوى، وتشمل هذه الفئة حركات التمرد، الدعم السريع، أحزاب قوى التغيير (قحت)، ومسارات الشرق والشمال والوسط التي فقدت تأثيرها بعد الحرب، وأصبحت بمثابة قوى هامشية أو غير فاعلة.

هذا الانقسام العميق والتشرذم يعرقل فرص تحقيق سلام مستدام، ويجعل الاتفاق هشًا معرضًا للانهيار، خاصة في ظل استمرار الانتهاكات والتجاوزات. إذ تحولت تحالفات جوبا إلى تكتيكات مؤقتة تحمل قنابل موقوتة تهدد وجود مجتمعات كاملة في السودان ووجود الدولة السودانية.

خاتمة

الواقع في النيل الأزرق والمحليات المتضررة يعكس هشاشة الوضع الأمني والسياسي في السودان. استمرار العنف الممنهج ضد العرب والجلابة، ضمن أيديولوجيات عنصرية مقنّعة، يشكل تهديدًا وجوديًا لوحدة البلاد واستقرارها.

لا بد من تدخل رسمي عاجل وجاد لحماية المواطنين، وإنهاء الإفلات من العقاب، والتصدي بحزم لكل الخطابات والممارسات التي تهدد السلم الأهلي. السودان أمام مفترق طرق حاسم: إما أن يكون دولة لكل مواطنيه، أو يتحول إلى غابة من الميليشيات العرقية المتصارعة على السلطة باسم الشرعية.

اقرأ ايضا: الانقلاب الأبيض : بداية إعادة ترتيب السلطة لصالح الدولة السودانية

Exit mobile version