تشهد الولاية الشمالية تحولات استراتيجية خطيرة لا تبدو عشوائية، بل تكشف التحليلات المعمقة عن مخطط منظم تقوده حركات دارفور المسلحة للاستيلاء على الولاية الشمالية على المدى البعيد. يعتمد هذا المخطط على استراتيجية ثلاثية الأبعاد: التغيير الديموغرافي المنهجي، السيطرة التدريجية على الموارد الاقتصادية، واستغلال النازحين كغطاء بشري وكتلة سياسية داعمة.
ويأتي تنفيذ هذه الاستراتيجية في ظل حالة ضعف غير مسبوقة لحكومة الولاية، مما يسهل تحقيق هذه الأهداف دون مقاومة فاعلة. وقد تراكمت المؤشرات في السنوات الأخيرة لتكشف عن سلوك استراتيجي متعمد، لا سيما بعد الانفلات الأمني الذي تلى انسحاب الجيش من العديد من النقاط الحيوية، مما أتاح للحركات المسلحة التغلغل في مفاصل المجتمعات المحلية بهدوء وتكتيك طويل النفس.
الاستراتيجية الأولى: التغيير الديموغرافي المتعمد
ما يبدو ظاهرياً كنزوح إنساني من دارفور إلى الولاية الشمالية يخفي خلفه خطة ممنهجة لتغيير التركيبة السكانية للمنطقة، ويمكن تلخيص ملامح هذا التغيير في العناصر التالية:
- هجرة موجهة: تشجيع نزوح فئات محددة بما فيها “حواضن الجنجويد” وأنصار الحركات المسلحة نحو الولاية الشمالية، عبر شبكات تنظيم غير رسمية تتبع مسارات محددة مسبقاً.
- استقرار استراتيجي: توجيه النازحين للاستقرار في مناطق ذات أهمية اقتصادية مثل محلية دنقلا أو مروي، وأخرى قريبة من منابع الذهب.
- التدفق المستمر: التخطيط لموجات نزوح متتالية، كما يظهر في التوقعات الأممية بنزوح ما يزيد عن 70,000 شخص إضافي من شمال دارفور بحلول نهاية 2025، في موجة توصف بأنها “ممنهجة أكثر من كونها عفوية”.
- إضعاف النسيج الاجتماعي الأصلي: خلق واقع ديموغرافي جديد يضمن هيمنة سكانية لمؤيدي الحركات المسلحة، عبر اختراق البنية القبلية وهندسة العلاقات الاجتماعية.
ويلاحظ أيضاً أن هذه الاستراتيجية تترافق مع محاولات لتغيير الرموز الثقافية في القرى الجديدة، مثل فرض تسميات دارفورية على مناطق شمالية قديمة، ونشر خطاب يعتبر دارفور “الهوية المركزية الجديدة للسودان”.
اقرأ ايضا: تمردات مدعومة خارجياً: من نمور التاميل إلى حزب العمال الكردستاني
الاستراتيجية الثانية: السيطرة المنهجية على الموارد الاقتصادية
تنفذ حركات دارفور المسلحة مخططاً محكماً للسيطرة على القطاعات الاقتصادية الحيوية في الولاية من خلال أدوات متعددة:
- الاستيلاء على قطاع التعدين: وفقاً لتقارير محلية، فإن أكثر من 65% من المعدنين التقليديين في شمال السودان اليوم هم من خارج الإقليم الشمالي، والعدد مرشح للزيادة وسط غياب التنظيم الحكومي.
- إنشاء اقتصاد مواز: تعمل الحركات المسلحة على إنشاء أسواق غير خاضعة للرقابة في مناطق مثل صواردة ودلقو، وتفرض ضرائب غير رسمية على التجار.
- التحكم في سلاسل التوريد: سيطرت الحركات المسلحة على نقاط التفتيش بين الفاشر والعبيدية، وتقوم بفرض إتاوات على الشاحنات التي تنقل الوقود والمؤن.
- تمويل ذاتي: يُستخدم الذهب المستخرج من المناجم غير المرخصة في تمويل شراء السلاح ودفع رواتب مقاتلي الحركات المسلحة.
وتشير بعض التقارير إلى أن هذه الحركات أقامت شراكات مع شبكات تهريب إقليمية، تمتد من ليبيا مروراً بتشاد وصولاً إلى شرق السودان، مما يمنحها قوة اقتصادية تتجاوز الموارد المحلية.
الاستراتيجية الثالثة: استغلال النازحين كغطاء بشري وكتلة تعبوية
تستخدم الحركات المسلحة النازحين بطريقة مزدوجة تخدم أهدافها الاستراتيجية بشكل خطير:
- مورد بشري للتجنيد: تشير مصادر محلية إلى تزايد حالات تجنيد المراهقين في معسكرات النازحين، خاصة في مناطق مثل أرقو وكريمة، حيث تُقدَّم المساعدات مقابل الولاء.
- درع بشري: يلاحظ أن معظم المعسكرات الجديدة أُنشئت في مناطق ذات تماس استراتيجي مع طرق التعدين، مما يجعل أي تدخل أمني محفوفاً بخطر استهداف المدنيين.
- ورقة ضغط دولية: يتم توظيف النازحين في خطاب الحركات المسلحة لدى المنظمات الدولية، ما يمنحها شرعية مزعومة، ويُحرج الحكومة أمام المجتمع الدولي.
- قاعدة سياسية: تُستخدم هذه التجمعات كأدوات ضغط في أي عملية انتخابية أو تفاوض سياسي، وقد لوحظ أن بعض قيادات النازحين باتت ترتبط تنظيمياً بمكاتب الحركات في الخارج.
في المجمل، يتم توظيف المأساة الإنسانية كسلاح ناعم طويل المدى، يُستخدم لكسر إرادة الدولة وفرض معادلة سياسية جديدة قوامها “من يملك الأرض يملك الشرعية”.
اقرأ ايضا: الدولة الجديدة : بين انتماء العقيدة والإنتماء الثقافي والتاريخ
ضعف حكومة الولاية: الثغرة التي تسمح بتنفيذ المخطط
يمثل ضعف حكومة الولاية الشمالية العامل الحاسم الذي يسمح بتنفيذ هذا المخطط الاستراتيجي:
- غياب الرقابة الأمنية: أظهرت تقارير صادرة عن لجان المقاومة المحلية أن هناك مناطق بأكملها في المحليات الشمالية باتت بلا وجود أمني فعلي منذ منتصف 2023.
- انهيار الخدمات: يعاني المواطنون من غياب التعليم والصحة، ما يجعلهم عرضة للرضوخ لسلطات الأمر الواقع.
- فراغ السلطة: يتحدث سكان بعض المناطق مثل القولد والحصايا عن سلطات بديلة تدير المياه والكهرباء بأساليب تقليدية نيابة عن الدولة.
- ضعف الحضور السياسي: تغيب الأحزاب السياسية المركزية، بينما تنشط الوفود القادمة من منظمات قريبة من الحركات المسلحة تحت غطاء “مبادرات مجتمعية”.
هذا الفراغ المؤسسي يشبه المرحلة الأولى من تمدد الحركات المسلحة في دارفور نفسها قبل عشرين عاماً، حينما فُقدت السيطرة تدريجياً ثم صارت الدولة “ضيفاً سياسياً” على أرضها.
مراحل المخطط: خطة طويلة المدى للسيطرة الكاملة
المرحلة الأولى (الحالية): بناء القواعد
- تأسيس وجود بشري عبر النزوح المنظم.
- السيطرة على مناطق التعدين الاستراتيجية مثل وادي العشار وقبة النحاس.
- بناء شبكات اقتصادية وأمنية موازية داخل الولاية.
المرحلة الثانية (المتوسطة): توسيع النفوذ
- تعزيز السيطرة على أسواق جديدة ومحاور تجارية على النيل.
- توسيع قاعدة التجنيد بين السكان المحليين واستغلال البطالة المتفشية.
- فرض نظام إداري موازٍ في المناطق التي تفتقد للسلطة.
المرحلة الثالثة (البعيدة): الاستيلاء السياسي
- المطالبة بتمثيل سياسي رسمي يعكس “الواقع الديموغرافي الجديد”.
- إدماج العناصر المسلحة في الشرطة المحلية ومكاتب الحكومة.
- فرض ترتيبات جديدة تحت مظلة “السلام الشامل” لتقنين الأمر الواقع.
اقرأ ايضا: العودة إلى سنار : دعوة لتأسيس الحلم من الجذور
الآثار الخطيرة على مستقبل الولاية والسودان
نجاح هذا المخطط سيؤدي إلى عواقب وخيمة:
- تكرار سيناريو دارفور: حيث بدأت بتمرد محدود وانتهت إلى نزاع إقليمي معقد وكيانات مستقلة فعلياً.
- تقويض وحدة السودان: فصل الولاية الشمالية سياسياً أو واقعياً سيخلق سابقة خطيرة.
- أزمة إقليمية: التوتر سيمتد لدول الجوار مثل مصر وليبيا بسبب موقع الولاية الحدودي.
- كارثة اقتصادية: الولاية الشمالية تضم أكثر من 30% من إنتاج الذهب السوداني.
- تهديد للأمن القومي: تحول المنطقة إلى ممر للأسلحة وملاذ للميليشيات سيجعلها نقطة اشتعال دائمة.
الاستجابة المطلوبة: استعادة سيادة الدولة
لمواجهة هذا المخطط الاستراتيجي، يتعين اتخاذ إجراءات حاسمة:
- تعزيز الوجود الحكومي: إعادة الشرطة والجيش إلى المناطق الحيوية بدعم لوجستي مركزي.
- استعادة السيطرة على التعدين: عبر فرض تراخيص حقيقية وملاحقة شبكات التهريب.
- ضبط الحدود: استخدام تقنيات حديثة مثل الطائرات المسيّرة لمراقبة التحركات.
- معالجة قضية النازحين: بإنشاء قرى نموذجية آمنة وبعيدة عن التمركزات الاستراتيجية.
- تنمية اقتصادية عاجلة: إنشاء مشاريع زراعية وصناعية مشتركة مع المواطنين الأصليين لضمان الولاء للدولة.
اقرأ ايضا: قراءات اليقظة : قراءة لمقال “نحو إمبراطورية كوش الكبرى لا دويلات”
خاتمة: معركة الوعي قبل المواجهة
ما تشهده الولاية الشمالية ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة أو فوضى أمنية واقتصادية، بل هو جزء من مخطط استراتيجي مدروس تنفذه حركات دارفور المسلحة للاستيلاء التدريجي على الولاية.
مواجهة هذا المخطط تتطلب وعياً استراتيجياً بأبعاده المختلفة، وإرادة سياسية قوية لاستعادة سيادة الدولة. المعركة الحقيقية تبدأ بالوعي الشعبي، لأن خسارة الولاية الشمالية تعني خسارة الرئة التي تتنفس منها الدولة المركزية السودانية.
اقرأ ايضا: الصمت العقابي ضد مواطن الولاية الشمالية: سلب الثروات وحرمان الخدمات

3 تعليقات
كل ماذكر صحيح ولا مواقف مصادمة
تحليل سليم 100% وناس الشمال في نوم عميق ولا يعلمون ما يحاك بهم من حقد ازلي ومؤامرات من الغرابة
الكلام ده صاح بس انتو لتكتبو ليهم الخطة ال بمشو بيها عديل لالتحليلات دى انتو ماتسبقوهم بخطوة