يتفق الجميع على أن التغيير، أيّاً كان شكله، يبدأ من الداخل. ويُستدل على ذلك بالآية الكريمة:
“إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ”
هذا المعنى محل إجماع: لا بد أن يبدأ التغيير من الفرد، ثم ينعكس تدريجياً على المجتمع. لكن الكيفية تظل هي المساحة الغامضة التي لم تُحسم بعد، ولهذا تنوعت الاجتهادات في فهمها، دون أن تلامس جذر المسألة الحقيقي.
من هم الجلابة ؟
الجلابة مصطلح ثقافي واجتماعي يُستخدم في السودان للإشارة إلى مجتمعات شمال ووسط وشرق السودان، وأصل التسمية يعود إلى ارتدائهم الزي المعروف باسم الجلابية.
لكن الكلمة تحوّلت عبر الزمن إلى توصيف لهوية اجتماعية واقتصادية وثقافية محددة، يُنظر إليها أحياناً باعتبارها النخبة المهيمنة، وأحياناً أخرى كمجتمع يعاني من الضياع وفقدان البوصلة نتيجة الانفصال عن جذور الواقع وعدم مواكبة التحولات الجذرية في البلاد.
هذا الجهل أو العمى الرمزي لدى “الجلابة” يُعد اليوم من العوامل الأساسية التي تعرقل إعادة بناء السودان على أسس جديدة.
اقرأ ايضا: برمجة العقل الباطن المجتمعي: الأساس الخفي لواقع ومستقبل السودانيين (ود تكتوك نموذجا)
من هم “الجنجويد”؟
الجنجويد هو اسم يُطلق على ميليشيات مسلحة ظهرت في إقليم دارفور غرب السودان، وبرزت خلال النزاع المسلح منذ عام 2003. غالبية هذه الجماعات تنتمي إلى قبائل عربية، وقد وُجّهت لها اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك القتل والاغتصاب والتهجير. تحولت لاحقاً إلى نواة لقوات الدعم السريع، إحدى أقوى الجهات المسلحة في المشهد السوداني اليوم.
كيف نغيّر ما بداخلنا؟
هذا من أعمق الأسئلة. وقد خضتُ رحلة طويلة وعميقة وصلتُ فيها إلى ما أُسميه “المساحات“، وهي النقطة التي تحدث فيها معجزات التكوين والتغيير.
هي الموضع الذي يمكن من خلاله تغيير المصير، لا بالخطاب ولا بالانتظار، بل بالاختيار الحقيقي — الواعي واللاواعي. فمن داخل هذه المساحات يبدأ الانتصار على قوى الظلام، كـ”الجنجويد”، ويولد من رحمها كيان جديد، ودولة، ومستقبل من الرخاء والكرامة.
المساحات: موضع الخلق الحقيقي
“المساحات” هي المنطقة العميقة في داخلنا، حيث يلتقي الوعي باللاوعي. لا نتحدث هنا عن أفكار فقط، بل عن كينونة.
حين تدخل هذه المساحات، تبدأ باكتشاف مفاتيحك الأصلية، تلك التي خُلقت لك وحدك، والتي من خلالها يمكنك اختيار مصيرك بشكل حرّ وفعّال.
التغيير يبدأ بالاختيار
الاختيار هو التعبير الصادق عن عملية التغيير. حين تختار شيئاً بوعي، تبدأ في توجيه لاوعيك نحو تحقيقه. ما نختاره اليوم هو امتداد لهويتنا الثقافية ولإرثنا الجمعي، ومعظمه ورثناه دون أن نسأله: هل ما زال يناسبنا؟
ولكي يتغير المجتمع، لا بد أن تتوسع دائرة الأفراد الذين يمارسون هذا النوع من الاختيار الواعي. وكلما اتسعت، تبدّل الواقع تدريجياً.
اقرأ ايضا: العودة إلى سنار : دعوة لتأسيس الحلم من الجذور
كيف تسود الاختيارات الجمعية؟
تنتشر الاختيارات الكبرى من خلال أدوات مثل: الدين، الأسطورة، الرموز، الشخصيات المقدسة، والمقولات الخالدة.
حين دعا إبراهيم عليه السلام:
“رب اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات…”
فقد خلق بذلك نموذجاً لاختيار جمعي يتجلى عبر الزمان في صورة أمن وازدهار.
لكن هذا لا يستمر إلا إذا حافظ الأفراد والمجتمع على اختيارهم الداخلي… فإن غاب، تبدّلت الحال.
غياب اختيار الجلابة = ضياع مجتمعاتهم
في السودان، نرى مثالاً صارخاً على ذلك. فـ”الجنجويد” — رغم محدودية وعيهم — اختاروا رؤية واضحة، وتنظيم دقيق، وتحركوا بناء على ذلك. أما “الجلابة”، فقد وقعوا في فخ التردد، والانفصال عن التحول، وفقدان القدرة على اتخاذ موقف واضح.
الجلابة : خيار اللاحسم
إن ما تواجهه مجتمعات الجلابة اليوم ليس أزمة في الموارد أو السياسة فقط، بل هو أزمة اختيار. لقد ضاع منهم وضوح البوصلة، وتفككت رؤيتهم عن الذات والواقع. ومع أنهم يمتلكون فرصاً أعظم للنهوض، فإن هذا لن يحدث إلا عبر تفعيل المساحات، وإعادة بناء الوعي الجمعي من جديد.
المرحلة القادمة
إذا أردنا لسودان المستقبل أن يكون حرًّا وكريمًا، علينا أن نبدأ من الداخل. علينا أن نُعيد اكتشاف تلك المساحات التي تصنعنا وتعيد خلقنا، وأن نحسم خياراتنا بصدق. المساحات التي سأشاركها لاحقًا ستكون مفاتيح لهذا التغيير، حيث نعيد وصل وعينا باللاوعي، ونستخرج الحقيقة خلف الحقيقة.
