هل وجدتم بعد الخرطوم بديلًا؟
آه يا عشاق الخرطوم القديمة، هل وجدتم بعد الخرطوم بديلًا؟ كلما رأيتُ صور الخرطوم، لا أرى صورًا، بل مرآةً تتشظى أمامي؛ أرى فيها وجهي المذبوح، أرى الأزقة تتقيأ رمادها، أسمع المآذن تبكي فلا تؤذن، وأشم في الهواء رائحة موتٍ لا تفارقنا. كل صورة هي طعنة في الذاكرة، وجرحٌ مفتوح على ما كنا عليه وما صرنا إليه.
في هذا الفراغ الذي نسميه “رؤية”، يستحضرني قباني جليسًا أبديًا. لا أراه بعيني، بل أحس به كحمّى تسري في روحي، أراه يمد يده المرتجفة نحو الركام، يرفع كأسه الحزين، وتتهادى في أذني أصداء تساؤله الذي لم يشيخ: “آه يا عشاق بيروت القدامى، هل وجدتم بعد بيروت بديلًا؟”
أسمعه ليس كصوتٍ آتٍ من الماضي فحسب، بل كصوتٍ ينبع من حنجرتي. يبكي المدن كما نبكي الأجساد التي أحببناها. يسألني عن الخرطوم، لا ليعرف، بل ليجبرني على الاعتراف بأن موتنا واحد: “هل وجدتم بعد الخرطوم بديلًا أم أن الخرطوم، مثل بيروت قبلكم؟”.
أجيبه: مثل بيروتكم، إن تمت الخرطوم… متنا معها، كل من يقتلها… صار القتيلا. إن كونًا ليس الخرطوم فيه، سوف يبقى عدمًا، أو مستحيلًا.
مأساة الخرطوم: خراب بلا منطق
كان نزار يبكي بيروت جسدًا تنهشه الطوائف على مائدة السلطة، واليوم، حين أُسقط أسئلته على الخرطوم، نجد الخراب تغير شكله لكن جوهره بقي: ففي بيروت كان الاقتتال طائفيًا لتقاسم السلطة، أما الخرطوم فهي ضحية لانهيار فكرة الدولة نفسها. كانت بيروت مسرحًا تتقاتل عليه الطوائف وكان خرابها منطقيًا في لا منطقيته؛ أما الخرطوم فخرابها بلا منطق؛ خرابٌ لذاته، خرابٌ صار هو السلطة نفسها، إنه الخراب من أجل الخراب.
أبكيها، لا كما بكى قباني مدينته، بل كمن يبكي آخر المدن، أبكيها لأنها لم تفقد “الحياة” بل فقدت كل ما يجعلها “مدينة للحياة”. صارت ذكرى… شظايا تتناثر في أرواحنا. أصرّ على قراءتها كما لو كانت بيروت أخرى، نُسقط عليها نصوص الآخرين أحيانًا، لكن جرحها سوداني خالص يرفض المرايا. جرحٌ لا يستعير لغته من أحد، ممهورٌ بدمع أبنائها، محفورٌ في ذاكرة النيل كأبجديةٍ أولى.
اليوم يريدون أن يسرقوا الخرطوم من ذاكرة أهلها، والخرطوم لا تنسى، حرب الجماعات الإرهابية العنصرية ذاكرة حية في كل شارع، في كل نهر يمر عبرها، رفضت الخضوع لمجدٍ مزيف. تحمل وجع التاريخ، صمود أهلها، ودماء من ضحوا من أجلها.
الخراب قدرها التاريخي
لم يكن هذا غزوها الأول، هي مدينة قدرها أن تُغزى. تارةً بأيدي الغريب، وتارةً بأيدي أبنائها الذين يحرقونها كأنها جسدٌ غريب. الخراب لم يبدأ اليوم، هي مأساة تتكرر، كأن كل جيل يجب أن يختبر سقوطها.
جاءتها المهدية… سيلًا من نارٍ ودم.
جاءها كتشنر… مزادًا للدم.
جاءها اللواء الأبيض… صرخةً في وجه الدم.
وفي كل مرة تُسقط فيها، تُكدّس أطلالٌ من الجثث على النهر؛ مدينة تتكرر فيها المأساة كأنها قدرٌ تاريخي، لا تدافع عن نفسها بل تُترك كي يُعاد كتابة نفس الفصل الدموي. كأن الخرطوم قدّر لها أن تظل دائمًا منكوبة.
وحين اجتاحتها مليشيات الجنجويد، كان المشهد امتدادًا لذاك التاريخ: حاربوا المدينة نفسها – ذاكرتها وموقعها ورمزيتها – ليغتالوا شوارعها وأسماء أحيائها. الخراب هنا لم يكن قدرًا فحسب، بل ثمرة جماعاتٍ تحيا على حقدٍ منظم؛ كان الخراب أعمق من الدمار، نفيًا للمعنى وقتلًا للذاكرة في جذورها. لقد قُتلت الخرطوم أولًا في ذاكرتها الجمعية.
المدينة التي تجرّبت كل الخرابات، بدت كأنها تنتظر هذا الخراب الأخير، الخراب الذي لا يترك شيئًا بعده، كأن المدينة نفسها تقول لنا من تحت الأنقاض بصوتها الأخير: “إن لم تتعلموا من دمائي، فدمائي ستعلمكم.”
بيروت كانت قصيدة تُذبح، الخرطوم الدم الذي يسبق القصيدة
يعود نزار قباني كصدى يرتطم بجدران روحي. أرى وجهي يتقاطع مع وجه مدينتي في مرآة واحدة، وجهان لموت واحد. خيّم الصمت، لكنه لم يكن صمتًا بل لغة أخرى: لغة الرماد. لم يقبلها مني، رفضها وطالبني بالقصيدة. وأنا الغارق في شواهد الموت، كيف لي أن أفتح له جرح الخرطوم كما فتح هو جرح بيروت، وكيف أعيد المأساة بلغة أخرى؟
فأجبته لا بصوتي، بل بصوت الخراب الذي يسكنني كرفيق يتقاسم معي مرارة الخرطوم… قلتُ له: “يا قباني… الخرطومُ ليست بيروتَكَ. بيروتُكَ كانت قصيدةً تُذبح، أما الخرطوم… فهي الدمُ الذي يسبقُ القصيدة. في شوارعها، لا يُساقُ الدمُ نهرًا، بل الدمُ هو النهر نفسه. تاريخُها لا يُكتَبُ… بل يُحرَق. وهنا، لا وقتَ للوردِ أو للعطرِ، فالرائحةُ الوحيدة هي رائحة الحريقِ.”
“بيروتُكَ كانت عروسًا تُزفُّ إلى الموتِ في ضوءِ النهار، وجدتْ حضنًا يبكيها ومراثي تُغنَّى لها. أما الخرطوم… فلا أحدَ يعانقها. هي أنثى تُغتصبُ في عتمةِ الكون، ثم تُتركُ جثتُها لتتعفنَ دون شاهدٍ أو صلاة. تُذبحُ في صمتٍ مطلق، لا صرخةٌ… لا نشيدٌ… نهبوا قلبَها، مزّقوا بيوتَها، حولوها إلى مدينةِ أشباحٍ، إلى جرحٍ لا يندمل، إلى ليلٍ لا يعرفُ الصباح.”
“نهرها يشهد على الدماء، وحجرها يئنّ من حرّ الخراب. الخرطوم فُجعت بأبشع غزاتها، يا قباني، هي أكبرُ من لغتي، وأفدحُ من قدرتي على الوصف. كلُّ كلمةٍ أكتبُها… خيانةٌ لدموعها.”
قصيدة الرماد: سفر التكوين
بمرارةٍ، يمسحُ دمعي الذي هو دمعُه، ويقولُ: “اكتبْها… اكتبْها باللغةِ التي تولدُ من الرماد. اكتبْها حتى لا تُمحى. إذا ماتت الخرطومُ في صمت، فلتكن قصيدتُكَ صرخة أبدية، كي لا يُقالَ يومًا: إن الخرطومَ ماتت بصمتٍ، وإن عشاقَها… خانوا ذكراها، ووجدوا لها بديلًا.”
تحت وطأة إلحاحه، أبدأ الكتابة. لا أكتب كشاعرٍ، بل كمن يحاول أن يلتقط أطياف الخرطوم الممزقة في شباك اللغة. أكتب له، ليس قصيدة، بل شهادةً من أفواهٍ لم تعتد الشعر. أكتب له… سفر الرثاء، أبجدية الرماد الذي طلبه:
الخرطوم، لعنة الفواجع…
يا أنثى مقدسةً من طينِ النيلِ والأسى،
يا فينيقًا، كلما حاولتِ بعثًا… أحرقوكْ.
كلما حاولتِ أن تحيي، بدمعِ الأمهاتِ أغرقوكْ.
قصّوا جناحيكِ، وتركوكِ تسقطينَ بين أشلاءِ بنيكِ… وجثثِ أحلامِهم.
قدرٌ عليكِ…
يا مدينتي، أن تُغزَيْ، وأن تُحرقَيْ حيّةً،
وأن تصيري من عاصمةٍ للروحِ… لساحةِ موتٍ، ومزادٍ للحياة.
يا أنثى، يا جسدًا مقدّسًا بالأسى، تنهضين دائمًا… لا كطائرِ الفينيقِ يبعثُ من رمادْ،
بل كظلِّهِ… كجسدٍ مكسورٍ يحاولُ أن يقفْ.
يا أنثى تقاومين موتَكِ عبثًا، كمدينةٍ ترفضُ أن تموتْ،
كأنكِ تعلمينَ بأنَّ موتكِ… موتنا، وبأنَّ في عينيكِ.. يكمنُ معنى وجودنا.
فتقاومينَ الموتَ، حتى ولو كان موتكِ يتكررُ كل يومْ،
وفي شوارعكِ يُساقُ الدمُ نهرًا، والنهر صارَ شاهدًا أخرسًا على خرابٍ لا يُشبهُ إلا نفسَه.
يا من تبحثون عن بديل…
وأنا أجرّ قدميّ على أنقاض الخرطوم، أسمع صدى سؤال قباني يعود: “يا عشاق الخرطوم، هل وجدتم بعد الخرطوم بديلًا؟” يا من تبحثون عن بديلٍ لها، لن تجدوا. فالخرطومُ ليست وطنًا نتركه، بل نحنُ، المنفى الذي نحمله في حقائبنا. رائحةُ الترابِ بعد المطر، تسكنُ في ثيابنا إلى الأبد. يا عشاقَها، لم يبقَ لنا إلا الحنينُ… والمدينةُ صارتْ فكرةً، وظلًا لأطلالها.
حقدهم على الإنسان…
لا تظنوا حقدهم كان على الحجرْ، أو على مجدٍ قديمٍ… أو أثرْ.
حقدُهم كان عليكم… أيها الناسُ، على أحلامكم قبل المنامْ، على خطاكم وهي تمشي في سلامْ.
يكرهونَ فيكمُ الطمأنينةْ، يكرهونَ وجهَ طفلٍ باسمٍ، ويدَ أبٍ تمسحُ دمعةً حزينةْ،
وكلَّ ما يجعلكم بشرًا… وكلَّ ما يدلُّ على حياةْ.
حقدهم دفينٌ… كبئرٍ من ظلامْ، وُلدوا من رحمِ النقصِ، فرأوا في وجودكم إهانةْ، وفي سعادتكم… خيانةْ.
فجاءوا ليهدموا فيكم الإنسانْ، قبل أن يهدموا الجدرانْ.
عنفهم ليس قتالًا… بل حفلُ انتقامْ، من كلِّ من عرفَ الحبَّ يومًا، أو بنى بيتًا، أو أنجبَ طفلًا، أو غرسَ شجرةْ.
هم أبناءُ الفراغِ… جاءوا ليعيدوا الكون كلهُ إلى سيرتهِ الأولى: فراغًا.. وصمتًا… ومقبرةْ.
آهِ يا من عشقتم في الخرطومِ روحَها، لا تسألوا عن حالِها، الروحُ ذُبحت في وضحِ النهار.
ولادة جديدة من رحم المعركة
والخرطوم، كما بيروت، تُعلّمنا أن الصمود ليس خيارًا، بل إرثٌ من دمٍ وذاكرة، أبجديةٌ أولى نسيناها، أن المقاومة لا تبدأ من الحرب وحدها، بل من الوعي، ومن استدعاء كل ما مات كي يظل حيًا في قصيدتنا الأخيرة. يتحول فيها الوعي بالضرورة التاريخية إلى قوة مادية منظمة بوعي أو بغير وعي، أن البديل هو المحو الكامل. وأن بقاءها المادي مرتبط بالمقاومة فيصبح الصمود ليس خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة مادية للبقاء.
نحمل الخرطوم في أفواهنا كما تحمل الأم طفلها، ونرفض أن نموت كما يريد الجنجويد. الخرطوم لن تُمحى، ذاكرة الدم والبطولة حاضرة في كل قطرة نهر.
مجدٌ عابه العار…
عابَ الخرطومَ… كما عابَ لبنان مجدًا عابه العار على ضفاف النيل. يتذكرُ وجهَهُ الأولَ على شاطئِ بيروت، في بيتٍ كان يرثي مجدًا عابه العار، فصارَ هو الصرخةَ التي تمحو العار:
(عابَ مجدَكَ بالمذلةِ والهزائمِ
حينما هبَّ الجنوبُ لكي يقاومِ
إن تاريخَ الإباءِ غيرُ نائمِ)
وكما هبَّ الجنوبُ في لبنان لكي يقاوم، لا كذكرى بل كإعلانِ حربٍ على تلك المذلة، من رحم الرماد ومن غضبِ المذلة، تصحو جباهُ العزِّ التي رفضت أن الإنحناء. هبّت الخرطوم لتقاوم، كريحِ الصحراءِ التي لا تُردّ، كبرقِ السماءِ الذي لا يُؤتمن.
لم تغلق عيونهم بعد على المذلة والهزائم، من دمائهم نسجوا عزائمهم وتاريخهم. في مرآة لبنان، كان بيتٌ واحدٌ كافيًا، قال كل شيء وأنهى كل شيء، كل خطابات السلاطين الجوفاء، كل قصائدنا عن أمجادنا الغابرة، لا تساوي ثمن الحبر الذي كُتب به ما دمنا نقبل بالمذلة. فاضَ الجسدُ على نفسِه، وتحوّلَ إلى طوفان، هبَّت من كلِّ ربوعِ السودان، من الجنوبِ إلى صحراءِ الشمال صارت كلُّ الهزائمِ وقودًا. وصار فعلُ المقاومةِ نفسُه لغةً أعلنت موتَ لغةِ المراثي و وُلدت المعركةُ باسمها الحقيقي: “معركة الكرامة”.
لأنكِ أنتِ تاريخُ الإباءِ الذي لا ينام!
لأن عيونَ الأجدادِ فيكِ لم تُخلقْ لكي تُهزَم!
العبور العظيم: من الخراب إلى الولادة
الصامدون من بين معسكرات ضيقة وحصار خانق، جعلوا من الحصار شهادةً على البقاء، ومن العبور ميلادًا جديدًا يعيد للخرطوم وجهها المسروق. وقفوا كالجبال، والدم يشهد على عزّها، والتاريخ يرفض أن يترك أرضًا للنسيان، العاصمة الخرطوم، رغم سقوط معظمها، لم تُهزم.
وبعد أن بدأ النيل طقس تطهيره العظيم، أطلّ عليّ نزار مرة أخرى، لا كشبحٍ حزين، يخرجُ من مرآةِ الذاكرة، بل كشاهدٍ على تجلٍّ لم يعرفه، كوكبًا يُعاد تكوينه على إيقاع الملاحم. لم يكن ينظر إليّ هذه المرة، بل كان ينظر معي إلى المشهد، ثم همس بدهشة من يرى المستحيل: “ما هذا الذي أراه؟ بيروت قاومت لتبقى على قيد الحياة، أما أنتم فتقاومون لتولدوا من جديد!”
أجيبه بيقين من رأى المستحيل يتحقق: “يا نزار، بيروتك كانت تبحث عن قصيدة. أما الخرطوم، فقد صارت هي القصيدة. لم تعد تُكتَب، بل هي التي تَكتُب الآن بدم أبنائها تاريخ الضوءِ الذي يولدُ من قلبِ النار.”
“هنا لا وقتَ للورد أو العطر، فالرصاصةُ نفسُها قد أزهرتْ في فمِ البندقية. هنا الدمُ هو الذي يصنعُ القصيدة، والجيشُ وحدهُ من يكتبُ نشيدَ العبور. لأن التاريخ وُلد من جديد على ضفاف نيلها. الشعرَ نفسَه يقفُ الآنَ كشاهدٍ عاجزٍ، أمامَ طقسِ ولادةِ النورِ من رحمِ الجرح.”
تحدي الزمن: الخرطوم لا تنحني
لم يعد يطالبني بالرثاء، أمسك بكتفي، وعيناه لا تفارقان مشهد البطولة، وقال بنبرة من يناجي التاريخ: “امنح هذه الملحمة صوتها وهي تولد. اكتبها الآن… لا لتخلّد ما حدث، بل لتجعله ممكنًا مرة أخرى في ذاكرة كل من سيأتي بعدكم. أكمل قصيدتك يا ولدي، لكن لا تجعلها مرثية، بل اجعلها سِفر التكوين.”
مستجيبًا، أحدّق في المشهد، لم يعد خرابًا، بل ولادة. أكتب له، لا لأرثي، بل لأشهد: “يا قباني، هذه قصيدةُ شعبٍ رفضَ أن يموتْ، وقررَ أن يكتبَ نهايتَهُ بنفسِهْ. هذه مدينةٌ، حوّلت فناءها إلى ولادة. هذا هو سفرُ تكوينِها الجديد:
“فيا عظمةَ الثأرِ الذي فينا استفاَقْ!
حين تحلّينا بآخرِ ما تبقّى:
فاكتشفنا أننا نملك كل شيء:
باستماتةِ من ليسَ يملكُ غيرَ روحِهْ
وغيرَ حقِّهِ في أرضهِ…
خرجتمْ صاغرينَ
لا من بأسِ السلاحِ
بل أمام قوةٍ المعنى الذي حاولتم محوَهْ.”
“يا اسمًا تفكّكَ ثمَّ عادَ تجمعا
في هيئةِ البرقِ الذي ضربَ الظلامْ.
يا فينيقًا لم يرضَ بالرمادِ،
فصارَ هو النارَ التي تلدُ الحياةْ.”
“لم تقمِ الخرطومُ كجثةٍ تنهضُ من قبرها،
بل قامت، كفكرةٍ لا تُرى، كإرادةٍ لا تُقهرْ،
كشعبٍ صار هو العبورْ وهو الجسور.”
“آهِ يا عشاقَ الخرطومِ،
لا تبحثوا عن ظلالِها القديمةْ،
فالمدينةُ التي أحببتموها ماتتْ…
لتولدَ هذه التي صارَ نيلُها يفيضُ رجالًا
وصار حجرُها يئنُّ.. بمخاضِ الولادةْ.”
في يوم الملاحم الكبرى…
“حيثُ لم تنمْ دماءُ الآباءِ، وحيثُ صرخةُ كلِّ أمٍّ ولدت فداءً، بدأ النهرُ طقسَ تطهيره العظيم، ليغسلَ عن جسدِه عفنَ الغزاة، ويستعيدَ شهوتَهُ الأولى. كذراتِ غبارٍ تذروها ريحُ الأبديةْ. لتشهدوا على أن هذه الأرضَ ليست ترابًا وماءْ، يلفظُ الموتَ… ويلدُ الضياءْ.”
“كان النيلُ ينظرُ في مرآةِ ذاتِه، فلا يرى ماءً، بل يرى غضبًا يتشكّل. يرى أبجديتَهُ الأولى تُكتَبُ من جديدٍ، هبُّوا، لا كالريحِ أو البرق، بل هبُّوا كبدايةٍ للريحِ والبرق. هبُّوا، كي يمحوا عن وجهِ الشوارع ذاكرةَ الخنوع، وردد صداه المهيب بين النيلين.”
“ها هُمُ، المولودون من رحمِ العذابْ، والنيلانِ معًا شهدا… أن الخرطومَ لا تركعْ، وأن التاريخَ من هذا الدمِ… يُولدُ من جديدْ. وها هي ملاحم العبور العظيم، من دمائهم نسجوا العزائم ومن أشلائهم بنوا جسور “العبور العظيم”. ها هُمُ القادمونَ من ليلِ الخرابْ، ها هُمُ العبورُ… ها هُمُ التاريخْ، ها هُمُ المولودونَ من رحمِ النارْ، أنَّ الخرطومَ لن تُمحى، لا تنحني لليلٍ أو طغاة، فذاكرةُ الدمِ والبطولةِ، أقوى من النسيانْ.”
“يتردد صدى الملاحم بين النيلين، من دم التاريخ، إلى دم الأحياء، ومن نهرها إلى شوارعها، للنيل الذي دُنس، والحق شاهد، للمقاومة التي لن تموت، والموج يشهد على عزّها وبسالتها. الخرطوم تتحدى الزمن، تستنشق التاريخ، وتعيد قراءة ملاحمها، والأنهار شاهدة على إرادة المدينة، على دماء مقاومينا.”
اقرأ ايضا: السودان : انهيار وهم الدولة الواحدة وميلاد دولة النهر والبحر وانفصال دارفور

