مشروع النهر والبحر لا يمثل العداء لأقاليم “دارفور” و”جبال النوبة”، بل هو طوق نجاة وأمل لمناطق الهامش الأخيرة، للحفاظ على تشكيلها الثقافي وضمان حقها في الوجود ككيانات مستقلة، قادرة على تجسيد ذاتها في شكل دولة تعكس هويتها.
تفكيك السودان ضرورة تاريخية
إن مشروع النهر والبحر، القائم على الانفصال وهدم التكوين السياسي والحدودي الحالي لما يسمى “السودان”، ليس مجرد فكرة سياسية، بل حل منطقي. يراه البعض جهويًا أو متطرفًا، لكنه في الحقيقة مشروع لإعادة بناء الكيان الوطني على أسس قومية ومناطقية عريقة. فالدولة القديمة لم تعد تصلح لتجميع كل التناقضات، وكل الإجراءات التي اتخذتها الحكومات منذ تكوين السودان الحديث أفضت إلى الفشل، الذي أنتج كل هذه الحروب، من تمرد “توريت” حتى “حرب الخامس عشر من إبريل”، والتي بدأت من أعلى مستويات السلطة بين الرئيس ونائبه، لتكشف عن الشقوق العميقة بين المكونات الاجتماعية.
تركيز الثقافة في شمال ووسط السودان كان سببًا رئيسيًا في إبقاء الأقاليم البعيدة مرتبطة بالمركز، معتمدة على الرافعة الثقافية. تقول المقولة إن الحضارة تتجه شمالًا، وهي صحيحة، حيث يمثل الشمال “مصر” بوابة إفريقيا للحضارات. كلما اقتربت المجتمعات من مركز الثقافة، زادت فرص التقدم، بينما بقيت الأقاليم البعيدة في مستنقعات الجهل والتخلف، وهو ما أفضى إلى تراكم الفقر والحروب.
فرصة الأقاليم للانطلاق
الانفصال الذي يدعو له مشروع النهر والبحر يمنح الأقاليم فرصة لتشكيل نفسها كما تريد، سواء على المستوى الثقافي أو التشريعي أو الاجتماعي. يمثل هذا المشروع “إطلاق الفرخ الصغير من العش” ليكتسب القدرة على إدارة شؤونه بنفسه، بعيدًا عن هيمنة المركز. وهو الفرصة الأخيرة لتلك الأقاليم لبناء دولها الخاصة، بما يعكس هويتها ويحقق استقلالها الفعلي.
يمكن الاستفادة من تجارب دول كثيرة انفصلت ونجحت، مثل دول كانت جزءًا من الاتحاد السوفيتي، وسنغافورة، وألمانيا بعد الانقسام، وغيرها. في إفريقيا، يمثل انفصال جنوب السودان مثالًا حيًا على نجاح الاستفتاءات الشعبية بعد صراعات طويلة، حيث تمكن المكون العرقي والثقافي من بناء دولته الخاصة بشكل ديمقراطي ومستقر.
لم تعتمد الأقاليم البعيدة على الثقافة فقط، بل احتاجت أيضًا إلى رافعة اقتصادية قوية. غياب التنمية الحضارية والحروب الطويلة شل الاقتصاد، ودفعت الدولة أموالًا ضخمة لمحاولة النهوض بهذه المناطق، عبر الشكل العسكري في الحروب، أو الدعم الاقتصادي خلال فترات السلام. ومع ذلك، ظل الفشل مستمرًا بسبب استشراء الابتزاز والصراعات الداخلية، ما أدى إلى تفشي الفقر في كل السودان عدا الرقع الجغرافية المدعومة، والتي أصبحت قوة سياسية واقتصادية مسيطرة.
مشروع النهر والبحر: الحل الأخير للجميع
يمثل مشروع النهر والبحر اليوم الصرخة الأخيرة للأمل، والحل الذي يمكنه إنهاء المشكلات المزمنة، ليس فقط لأقاليم الشمال والوسط، بل أيضًا للأقاليم البعيدة مثل دارفور وغرب وجنوب كردفان، لتتمكن من النهوض بعيدًا عن الهيمنة المركزية، وتحقيق وجود يعكس هويتها الفعلية.
إن مشروع النهر والبحر ماضٍ لا محالة، وهو الحل لجميع الأطراف. يحمل الخير لأقاليم الشمال والوسط، من خلال إنهاء الابتزاز وحمل الأعباء الثقيلة، كما يمثل نقطة انطلاق للأقاليم الأخرى مثل دارفور وجنوب وغرب كردفان، لتبحث عن وجودها المستقل وتمارس سيادتها الثقافية والاجتماعية والسياسية. إنه مشروع ولادة جديدة، يتيح لكل إقليم أن يتشكل ويعيش بكرامته وهويته، بعيدًا عن عثرات الماضي ووهم الوحدة الذي لم يحقق أي استقرار.
اقرا ايضا: سودان النهر والبحر .. وطن يحاول النهوض من الرماد

