من أين جاءت عبارة “نهري عظيم” أو “نهريين عظماء” التي أخذت تتردد في الأوساط السودانية مؤخرًا، والتي رسّخها في الوعي العام الدكتور والكاتب عبدالرحمن عمسيب؟ وهل هي مجرد توصيف عاطفي أم تعبير عن هوية حقيقية تعكس مجتمعات محددة؟ هذه التساؤلات تفتح الباب لقراءة معمقة في كتاب البروفيسور عبد الله الطيب العادات المتغيرة في السودان النهري.
فبروفيسور عبدالله الطيب، أحد أعلام الفكر السوداني، لم يتناول النهر بوصفه جغرافيا فحسب، بل كمجال حضاري صاغ عادات وطقوس سكان شمال ووسط وشرق السودان، وجعل منهم حاملي هوية راسخة ظلت قرونًا طويلة تحدد ملامح السودان وتشكّل صورته الحضارية. والكتاب في جوهره ليس مجرد وصف إثنوغرافي للعادات، بل نص فلسفي وأنثروبولوجي يوضح كيف أعادت الحداثة رسم ملامح الجماعة النيلية التي طالما كانت المركز الثقافي والتاريخي للبلاد.
الميلاد والطفولة: من الذاكرة إلى البيروقراطية
يفصّل عبد الله الطيب في طقوس الميلاد والطفولة: الأذان في الأذن، الاحتفاء بالسبوع، أدوار الداية والحبوبة في رعاية المولود وإدماجه في شبكة القرابة. هذه الطقوس لم تكن مجرد عادات، بل فعل إدماج عميق في ذاكرة الجماعة. لكن مع ولادة المستشفيات تراجعت سلطة الداية لصالح الأطباء، وفقد الميلاد جزءًا من رمزيته الجمعية، ليصبح حدثًا فرديًا محكومًا بلغة البيروقراطية الطبية أكثر من لغة الجماعة.
الزواج: من رباط الجماعة إلى اختيار الفرد
الزواج في المجتمع النهري كان عقدًا جماعيًا تحدده الأعراف وتدعمه المصالح وتحيط به احتفالات عامة مفتوحة تعكس قوة الروابط الاجتماعية. ومع دخول التعليم والتمدن والهجرة تحوّل إلى علاقة فردية، تخضع للاختيار الشخصي وتثقلها التكاليف الاقتصادية. هذا التحول نقل الزواج من وسيلة لإعادة إنتاج الجماعة إلى مجال لتأكيد حرية الفرد، وهو انتقال من الأعراس الجماعية التي تذيب الفوارق إلى أعراس طبقية أو اقتصادية تكشف الفوارق.
الطعام والملبس: رموز الجماعة في مواجهة الفردانية
يكشف الكتاب أن الطعام عند النيليين كان نظامًا رمزيًا أكثر منه غذاءً. الكسرة والعصيدة ليست مجرد أطباق بل ذاكرة وهوية، وعلى المائدة يستشعر الأفراد وحدة الجماعة. دخول الأطعمة المستوردة والمعلبة فرغ الطعام من عمقه الرمزي وحوّله إلى سلعة استهلاكية. الأمر ذاته في الملبس، فالجلابية والعِمّة كانتا علامة على الوقار والانتماء الجمعي، لكن الأزياء الحديثة حوّلته إلى لغة طبقية وفردانية، ففقد اللباس قدرته على التعبير عن الجماعة ليصبح وسيلة تمييز فردي.
المآتم والاحتفالات عند النهريين : من التضامن الجمعي إلى الطقس الرسمي
الموت عند النيليين كان مناسبة لإعادة تكثيف التضامن: بكاء النساء، تلاوة القرآن، توزيع الأدوار التقليدية في العزاء، حيث كان الميت يذكّر الجماعة بذاتها. أما اليوم فقد صار العزاء أكثر رسمية وجفافًا، أقرب إلى إجراء اجتماعي محدود. كذلك كانت الاحتفالات الكبرى كالمولد النبوي والأعراس فضاءات مفتوحة للفرح الجماعي، يلتقي فيها الناس بلا قيود طبقية أو سياسية، لكنها تحولت مع التغيرات الحديثة إلى مناسبات مقيدة بالاقتصاد والسلطة، فاقدة لروحها الجامعة.
جوهر التحول: انتقال مركز المعنى
الخيط الجامع في الكتاب هو انتقال مركز المعنى من الجماعة النيلية إلى الفرد. في الماضي كان معنى الوجود يتحقق عبر الجماعة: يولد الفرد ليُدمج في ذاكرتها، يتزوج ليعيد إنتاجها، يأكل ويلبس ويحتفل ويموت في إطارها الرمزي. أما اليوم فقد صار الفرد مركزًا للمعنى بينما تراجعت الجماعة إلى الهامش. هذه التحولات تثير أسئلة عميقة: هل يمكن لإنسان النهر أن يحيا من دون ذاكرة جماعية تحيط به؟ هل الحداثة تحرير للفرد أم تفكيك للجماعة؟ وأي معنى يبقى للعادات حين تتحول من ممارسة حيّة إلى شكل اجتماعي بلا روح؟
العادات المتغيرة في السودان النهري ليس مجرد توثيق لعادات ماضية، بل نص فلسفي في ثوب أنثروبولوجي. ومن خلال تتبع الميلاد والزواج والطعام والملبس والمآتم والاحتفالات يضع عبد الله الطيب أبناء الشمال والوسط والشرق أمام سؤال الهوية: كيف نحافظ على جوهرنا في عالم تتغير عاداته أسرع مما تحتمل ذاكرتنا؟
اقرا ايضا: مدينة بارا تنتصر على الألم : سودان النهر والبحر يتعافى وينتصر

تعليقان
مقالة اكثر من رائعة. من افضل ما قرأت في المدونة. و أجمل ما قرات “هذا التحول نقل الزواج من وسيلة لإعادة إنتاج الجماعة إلى مجال لتأكيد حرية الفرد، وهو انتقال من الأعراس الجماعية التي تذيب الفوارق إلى أعراس طبقية أو اقتصادية تكشف الفوارق.”ز
المقال رائع وعبر عن الواقع الحداثة لا تُرفض ولكن لابد أن تصحب معها الثقافة والموروث والعادات نطورها كما هي ولا ننتقل عنها كليةً نحب عاداتنا وموروثنا فهو يعزز روح الجماعة ما عدا التصوف والاحتفال بالمولد بطقوسه المعروفة