في زمن تتصاعد فيه التوترات الإثنية وتزداد حدة الاصطفاف الهوياتي، يصبح من الضروري أن نعيد تعريف مفاهيم مثل العنصرية والتعايش والاختلاف. هذا المقال ليس دعوة للفرقة، بل محاولة لفهم أعمق لحقّ الجماعات في التعبير عن هويتها السياسية والاجتماعية، دون أن تُتهم بالعنصرية لمجرد تبنّيها رؤية مختلفة. نسلّط الضوء هنا على الفرق بين الاستعلاء العرقي والمطالبة بحق سياسي مشروع، ونكشف كيف أن فهمنا للمفاهيم قد يغيّر شكل الواقع، ويمنحنا أدوات جديدة لبناء مجتمعات أكثر وعيًا وإنصافًا.
ماذا تعني العنصرية فعلًا؟
العنصرية ليست مجرد موقف عدائي تجاه الآخر المختلف في اللون أو العرق، بل هي شعور متجذّر بتفوّق الذات الجماعية على الآخرين، بناءً على لون البشرة، أو الشكل، أو الانتماء الطبقي أو الاجتماعي. إنها رؤية متعالية تُقصي المختلف وتحصر الحقوق والامتيازات في فئة بعينها، سواء كانت الأغلبية أو الأقلية. وكما توضح الأمم المتحدة في تعريفها، فإن “العنصرية تُشكّل انتهاكًا مباشرًا للكرامة الإنسانية” (OHCHR, 2023). هذه الرؤية تترجم نفسها في السياسات والممارسات اليومية التي تُقصي وتُهمّش، وتُشكّل عائقًا أمام بناء عقد اجتماعي سليم، وهي السبب الجذري في العديد من النزاعات والصراعات المعاصرة حول العالم.
هل كل دعوة سياسية تحمل شبهة العنصرية؟
من هنا يبرز السؤال الجوهري: هل المطالبة بكيان سياسي جديد يعني بالضرورة تبني خطاب عنصري؟ الإجابة ببساطة: لا. فالسعي لتأسيس دولة أو كيان اجتماعي جديد لا يرتبط تلقائيًا بالاستعلاء أو إقصاء الآخر، إنما يتحدد بمنطلقاته الفكرية وأهدافه. عندما يكون هذا السعي قائماً على احترام التعددية، والتعايش، والعقد الاجتماعي التاريخي بين المكونات المختلفة، فهو فعل سياسي مشروع. في كثير من الحالات حول العالم، من كوسوفو إلى إريتريا، كانت النزعة للانفصال نتيجة لخذلان المركز أكثر من كونها دافعًا للتعصب أو نتيجة للعنصرية (Cambridge, 2020).
اللون والسحنة: بين الجينات والتاريخ
في السياق السوداني، يعتبر اللون عاملًا غير حاسم في تشكيل الهوية الاجتماعية. فلون البشرة لا يعكس بالضرورة الانتماء الثقافي أو السياسي. داخل الأسرة الواحدة قد نجد ألوانًا متعددة، نتيجة التداخل الجيني الناتج عن قرون من التصاهر بين العرب، الزنج، الحاميين، والنوبيين. المجتمعات التي قامت في سنار، وتقلي، وممالك الشايقية والجعليين، والنيل الأزرق، كلها نماذج لهذا التداخل. وفقًا للدراسات الأنثروبولوجية، فإن “السودان واحد من أكثر الدول تنوعًا عرقيًا في القارة، بما يتجاوز 500 مجموعة إثنية ولغوية” (Carnegie, 2020). ويشير بعض الباحثين إلى أن هذا التنوع كان عنصر قوة في بعض المراحل، حينما أُدير ضمن إطار ثقافي تشاركي غير عنصري.
اقرأ ايضا: حدود السودان التاريخية : ما هي الخريطة الرسمية لدولة النهر والبحر؟
العقد الاجتماعي أهم من الشكل الخارجي
القضية إذًا لا تتعلق باللون، وإنما بالوفاء للعقد الاجتماعي الذي يجمع بين الجماعات. من ينقض هذا العهد – عبر ممارسة العنف أو نقض السلام المجتمعي – لا يمكن ضمّه إلى مشروع سياسي قائم على التعايش والاحترام المتبادل، مهما كانت ملامحه أو جذوره. بالمقابل، من يحترم هذا العهد، ولو كان من خلفية إثنية أو ثقافية مختلفة، يمكنه أن يكون شريكًا فاعلًا في المشروع. إن احترام هذا العقد يعني القدرة على بناء مستقبل سياسي مشترك بعيدًا عن الانتقام أو الإقصاء. وهذه النقطة أكدها الباحث جون مكارثي حين قال: “الولاء للمبدأ يغلب الولاء للمجموعة الإثنية في بناء الدول الحديثة” (McCarthy, 2019).
الهوية الثقافية قبل العرقية: العنصرية في الميزان القيمي
الهوية الثقافية، بما تحمله من قيم وتقاليد وسلوكيات، هي معيار أكثر أهمية من العرق. مشروع الدولة الجديدة لا يقوم على نقاء دموي أو عرقي، بل على نسق قيمي يُحتكم إليه، يُقيَّم به الأفراد والمجتمعات. الاحترام المتبادل، حفظ الدماء، تقديس الكرامة الإنسانية، هي أسس التعايش في هذا الكيان. كما أشار المفكر السوداني محمد سعيد القدال، فإنَّ “النسيج الاجتماعي في السودان يتكوّن من تداخل ثقافي لا عرقي، والرهان دائمًا على المشترك القيمي لا الجيني” (القدال، تاريخ السودان الحديث). هذه الرؤية تمنحنا أفقًا جديدًا لفهم مَن يمكنه أن يكون ضمن هذا الكيان الجديد، وتكشف لنا زيف بعض التهم بالعنصرية حين تُطلق بشكل غير دقيق أو متعسف.
من نختار لبناء الدولة؟
معيار الانتماء لهذا المشروع الجديد ليس اللون أو الشكل، بل التوافق في الرؤية والقيم. من يشاركوننا المبدأ والهدف، يشاركوننا الطريق. ومن خانوا العهد، ومارسوا العنف والإرهاب أو استعلوا على الآخرين، لا يمكنهم أن يكونوا جزءًا من هذه الدولة، حتى لو كانوا من أقربائنا عرقًا أو نسبًا. الانتماء هنا لا يُقاس بالموروث بل بالمعنى الأخلاقي والاجتماعي الذي يحمله المرء تجاه الآخرين. وهذا ما أكدته دراسات النُظم الاجتماعية الحديثة التي ترى أن الهوية القيمية تتفوق على الهوية الوراثية في تحديد أهلية المواطن للمشاركة السياسية (UNDP, 2021).
اقرأ ايضا: العودة إلى سنار : دعوة لتأسيس الحلم من الجذور
لسنا عنصريين، بل واعين بحقوقنا
من المهم ألّا ننجرّ خلف الخطابات التي تخلط بين الوعي السياسي والعنصرية. من حق أي جماعة أن تؤسس كيانًا يعكس هويتها وقيمها، طالما أنها لا تستند في ذلك إلى الكراهية أو الإقصاء. ومن حقّنا أن نقول: نعم، نحن نؤمن أن كياننا الاجتماعي والسياسي يجب أن يُبنى على احترام الإنسان، لا على دم القبيلة. وبهذا تكون الدعوة لتأسيس كيان جديد ليست تهديدًا للوحدة، بل دعوة لإعادة تعريفها على أسس أكثر عدالة وتوازنًا. وكل من يستخدم تهمة “العنصرية” هنا كوسيلة لابتزاز فكري أو سياسي، إنما يطمس جوهر النقاش الحقيقي حول الحق في تقرير المصير.
الدولة الجديدة: كيان يتجاوز القبيلة
الدولة الجديدة التي ننشدها هي دولة مؤسسات، لا قبائل. دولة قانون، لا ميليشيات. دولة برامج سياسية، لا مشاعر قبلية. هي دولة يكون التعليم فيها معبّرًا عن تاريخنا، والاقتصاد فيها نابعًا من حاجاتنا، والقوة فيها وسيلة لحماية المجتمع لا قمعه. دولة تصنع السلام لا تُدجّنه. وهي رؤية تسعى لإعادة كتابة المشروع الوطني برؤية أكثر شمولًا وعدالة، كما طرح فرانسيس دينق في كتابه “صراع الرؤى” (Francis Deng – War of Visions). كما أن نماذج مثل رواندا بعد الإبادة الجماعية تُظهر كيف أن الانتقال إلى دولة مدنية مبنية على قيم جديدة يمكن أن يُحدث نقلة نوعية في تاريخ الشعوب.
ما بعد الابتزاز الأخلاقي
لقد آن الأوان لكسر وهم المركز والهامش. آن الأوان لإسقاط خطابات الابتزاز العرقي والتهميش السياسي. آن الأوان أن نمتلك جرأة الإعلان عن مشروعنا السياسي بكل ثقة، لأننا نستحقه، ولأننا ببساطة نريد العيش بكرامة، وفق ما يمثّلنا حقًا. الكفاح من أجل تمثيل الذات ليس عنصرية، بل نضال من أجل الكرامة، وهو في حقيقته فعل تحرّري يرتكز على وعي ناضج لا على غريزة تفوّق.
مصادر ومراجع:
- Understanding Racism – UN Human Rights Office
- Sudan’s Ethnic and Cultural Complexity – Carnegie Middle East
- The Role of Social Contracts in African Political History – Cambridge
- محمد سعيد القدال – تاريخ السودان الحديث
- Francis Deng – War of Visions: Conflict of Identities in the Sudan
- John McCarthy – Social Ethics in State Formation
- UNDP – Human Development Report 2021/22
