بعد شهور طويلة من المعاناة تحت سيطرة قوات الدعم السريع، استعادت مدينة بارا بولاية شمال كردفان حريتها أخيراً، معلنة بداية مرحلة جديدة من الأمل، رغم ما خلّفته الحرب من دمار، ورغم القلوب المثقلة بالفقد. بارا، تلك المدينة الوادعة في قلب السودان، عادت لأهلها بعد أن دفعت ثمناً باهظاً من أمنها واستقرارها وذاكرتها الجماعية.
بارا… المدينة التي لا تنكسر
على الرغم من ضراوة القتال والظروف الإنسانية القاسية، ظل أهل بارا صامدين، قابضين على جمر الكرامة، منتظرين ساعة الخلاص. واليوم، ومع تحرير المدينة، عادت الحياة تدب في الأسواق، وعاد الأذان يصدح في المساجد بحرية، وعاد الأطفال يلعبون بلا خوف. كأن المدينة كانت تحبس أنفاسها، ثم أطلقتها لتتنفس من جديد، مؤكدة أنها مدينة لا تنكسر.
من بارا إلى “دولة البحر والنهر”
في خضم هذه المحن، تعود إلى الواجهة فكرة “دولة البحر والنهر”، تلك الرؤية الرمزية التي تنادي بوحدة السودان من نيله إلى سواحله، ومن شماله إلى غربه. وفي قلب هذه الخريطة، تقف بارا متوسّطة الطريق بين الجغرافيا والانتماء، مدينة تجمع الأقاليم وتربط النسيج الاجتماعي الممتد في عمق الوطن.
عبدالرحمن عمسيب… صوت بارا للوطن
ولا يمكن الحديث عن بارا دون التوقف عند عبدالرحمن عمسيب، الكاتب والصحفي الذي ظل يعبر عن نبض المدينة وآمالها. في مقالاته ومنشوراته، لم تكن بارا مجرد مدينة، بل كانت صورة مصغرة للوطن كله. كتب عن وجعها، عن أهلها، عن قوتها، محذّراً من إهمال المدن الصغيرة التي تحمل في داخلها تاريخًا وروحًا وإرادة. ويرى عمسيب أن بارا ليست مجرد ضحية للحرب، بل رمز لقدرة المدن السودانية على النهوض من تحت الركام. وهي رسالة لكل مدن السودان: لا تيأسوا، فالحرية قادمة ولو بعد حين.
نهاية مفتوحة… وسؤال للوطن
بارا اليوم حرة، لكن التحديات لم تنتهِ. فهل تتحول معركتنا القادمة إلى معركة إعادة إعمار النفوس قبل البيوت؟ وهل تدرك الدولة أن المدن المهمشة مثل بارا هي القلب النابض للسودان؟ثم، هل تكون بارا بداية جديدة على طريق الوحدة، نحو “دولة البحر والنهر” التي تضمنا جميعاً؟
اقرأ ايضا: دولة النهر والبحر في السودان : مشروع سلام في أصله وأبعد ما يكون عن العنصرية
