تُروى قصة الشمس والريح اللتين اختلفتا حول من الأقوى بينهما، حتى رأتا رجلاً يجلس إلى صخرة مرتديًا معطفًا ثقيلاً. تحدتا أنفسهما لنزع المعطف عن الرجل. هبت الريح بقوة عاصفة من كل الجهات، لكن الرجل تمسك بمعطفه بشدة، إذ كان يحميه من الرياح العاتية. عندها اقتربت الشمس ورفعت درجة الحرارة تدريجيًا، فخلع الرجل معطفه بسهولة ودون عناء. هذه القصة تحولت إلى استراتيجية عالمية توضح أن اللين والطرق الخفية تحقق ما لا يمكن تحقيقه بالعنف المباشر. وهذا ما يطبق البرهان في سياساته ضد خصومه، حيث يفضل “تسخين الغرفة” لا نزع المعطف بالقوة.
الحركات الدارفورية المسلحة: الابتزاز وسيناريوهات المواجهة
تعد الحركات الدارفورية المسلحة، إلى جانب الحركات ذات الطابع الأفريقي العنصري التي تستخدم خطاب المركز والهامش، من أطراف تمارس ابتزازًا مستمرًا داخل هياكل السلطة السودانية. حيث تتبادل الأدوار منذ زمن بعيد، لكن الوضع الحالي بلغ درجة من الحنق لم تعد تُحتمل، ليس على المستوى الشعبي فقط، بل حتى في أعلى مستويات الدولة، خصوصًا مع تصاعد حدة ما يسمى “معركة الكرامة”. وانسحبت هذه الحركات من مواقعها شمال غرب البلاد على الحدود المصرية الليبية، في رسالة ابتزاز واضحة مفادها تهديد بالتمرد إذا ما أُخِلّ بشروط اتفاق جوبا، الذي يواجه تهديدات جدية بفقدان صلاحيته بسبب غياب أطراف رئيسية مثل الدعم السريع وقوى الحرية والتغيير.
هل تخوض الحركات الدارفورية حربها طوعًا أم أنها تدفعها ظروف خارج إرادتها؟ وهل تصرفاتها تلقائية أم أن هناك من “يسخّن الغرفة” خلف الكواليس؟ على كلا الجانبين، تسود حالة من القلق والتوتر. فالبرهان منذ إعلان تعيين رئيس الوزراء كامل إدريس في 25 أكتوبر، اتبع سياسة “تسخين الغرفة” عبر استخدامه كأداة لضبط التوازن السياسي، محاولًا اختبار مدى استعداد الحركات للعودة إلى الحرب. وردت الحركات بحركات عنيفة لإرسال رسالة واضحة بعد أن فهمت طبيعة البرهان الذي لا يفضل المواجهة المباشرة.
الحركات الدارفورية واستراتيجية التمكين التدريجي
لا ترى الحركات الدارفورية أن الحرب هي خيارها الأمثل، فهي تسيطر حاليًا على موارد الدولة في الشمال بأقل الخسائر، وتتبنى استراتيجية “الحفر بالإبرة” التي تهدف إلى التمكين التدريجي عبر عزل الخصوم وشراء الذمم. ورغم أن الرؤية متشابهة بينها وبين البرهان، إلا أن التنافس وصل إلى حد السيطرة على منصب رئيس مجلس الوزراء، الذي يمثل المفتاح الكامل للسلطة التنفيذية.
المواجهة القادمة تبدو وشيكة، مع تصاعد الخطابات الحادة واستذكار مشاهد ما قبل 15 أبريل، حيث بدأ التلاسن بين قائد الجيش وقائد الدعم السريع، وتم حشد القوات تمهيدًا للسيطرة على مفاصل الدولة. التسريبات الأخيرة التي تهدف إلى استفزاز الحركات، وخطابات الكراهية المتصاعدة على وسائل التواصل، كلها مؤشرات خطيرة. لذلك، يجب تعلم دروس الماضي، وعدم تكرار تجربة الدعم السريع التي انتهت بسقوط آلاف القتلى وتدمير كبير لرأس المال الخاص بالشمال.
حتمية المواجهة: واقع لا مفر منه
مع تصاعد التوترات وتداخل المصالح المتشابكة بين مكونات الدولة على رأسها الفريق اول البرهان، تبدو المواجهة القادمة حتمية ولا مفر منها. فكل طرف يسعى إلى تثبيت موقعه في سلطة مركزية هشّة، والرهان على تأجيل الصدام لن يؤدي إلا إلى تراكم الغضب والاحتقان. مثلما في قصة الشمس والريح، فإن “الغرفة” أصبحت تشتد حرارة، وأي محاولة للتنصل من الصراع ستؤدي فقط إلى زيادة العنف والتصعيد. إن تأجيل المواجهة ليس تجنبًا للخطر بل تأجيل له، إذ كل لحظة تمر تعزز مواقع المتحاربين وتزيد من عمق جراح الوطن، ما يجعل الانفجار القادم أعنف وأشد ضررًا.
ان التأجيل المستمر للمواجهة والذي يقع بشكل رئيسي على قرار الفريق اول البرهان ، يعني بالضرورة تفاقم الأزمة وتعمق الانقسامات، وهو ما يهدد بتدمير النسيج الاجتماعي والسياسي للبلاد. حين تُترك الأمور لتتراكم دون حل جذري، تزداد فرص انتشار خطاب الكراهية والعنف، وتصبح قوى الفوضى أكثر قدرة على الهيمنة. فكما تسخن الغرفة حتى لا يُطاق فيها البقاء، فإن التأجيل المتكرر يساهم في تفكيك المؤسسات وتقويض الدولة، وينذر بمرحلة أكثر اضطرابًا قد تخرج عن السيطرة، فتتحول الأزمة من صراع نفوذ إلى حرب لا تحمد عقباها على الجميع.
خاتمة: الاستعداد للمواجهة ضرورة لا خيار
ختامًا، لا بد أن تكون جميع الخطوات محسوبة ومدروسة بعناية، مدعومة بجاهزية شاملة من قبل الشعب والجيش معًا و البرهان هو المسؤول عن تنسيق هذا التجهيز، لأن ما يُرسم في الأفق لا يُبشّر بحلول سلمية أو توافقات طويلة الأمد. نحن أمام لحظة مفصلية في تاريخ السودان، حيث لم تعد المواقف الرمادية تنفع، ولا الخطابات المهادنة تحقن الدماء. فكل المؤشرات على الأرض تقول إن المواجهة باتت وشيكة، وإن معركة النفوذ والسيطرة ستتجاوز حدود المكاتب والمؤسسات لتصل إلى ساحات النار والدم.
وهنا، تظهر أهمية الاستعداد للمواجهة المباشرة، ليس فقط من الجانب العسكري، بل من جميع قطاعات الدولة والمجتمع. يجب أن يكون الوعي حاضرًا، والخطاب موحدًا، والاستعدادات قائمة على رؤية استراتيجية واضحة، تُدرك أن المعركة القادمة لن تكون مع مجموعة متمردة فقط، بل مع مشروع طويل الأمد يسعى لتغيير هوية الدولة وتفكيك نسيجها التاريخي والاجتماعي.
ونرسل للسيد البرهان رسالة هامة بأن أي تهاون أو تأخير في التحرك سيكون ثمنه باهظًا، لأن هذه المرة – على عكس ما مضى – لن تكون دارفور وحدها ساحة الحرب، بل الشمال والوسط وكل من تبقى واقفًا في هذا الوطن الجريح. ولذا، فإن الحفاظ على معطف الوطن لن يتحقق إلا بالثبات، والصبر، والاستعداد لمواجهة لا يمكن تفاديها، دفاعًا عن السيادة والوجود، وعن وطن بدأ خصومه يعدّون أنفاسه الأخيرة، بينما لا يزال فيه رجال يعرفون كيف تُصنع النهاية.
اقرأ ايضا: العروبة المخطوفة: دفاعٌ عن الهوية وخيار الانفصال كضرورة وجودية

