تحليل بناء على فيديو د. عبدالرحمن عمسيب – كامل إدريس ركلة من برهان على خاصرة كباشي
أثار تعيين الدكتور كامل إدريس رئيسًا لمجلس الوزراء في السودان، وإلغاء إشراف أعضاء مجلس السيادة على الوزارات، سلسلة من القراءات السياسية المتباينة، واعتبرها بعض المراقبين بمثابة “انقلاب أبيض” نفّذه الفريق أول عبد الفتاح البرهان لإعادة تشكيل هرم السلطة. إلا أن القراءة المتأنية لهذه القرارات تكشف أنها ليست مجرد مناورة سلطوية، بل جزء من عملية أعمق لإعادة مركزية القرار وضبط الدولة السودانية التي أنهكتها التعددية الشكلية والصراعات غير المنضبطة داخل أجهزتها منذ توقيع اتفاق جوبا للسلام، وما تلاه من انقسامات داخلية وحرب شاملة.
قرار حاسم: العودة إلى دولة بقرار واحد
منذ توقيع اتفاق جوبا، دخلت مؤسسات الدولة السودانية في حالة من التشظي التنفيذي، حيث أصبحت الوزارات تدار كمزارع سياسية تتبع لمجموعات بعينها، داخل السيادي أو من الحركات المسلحة، دون مرجعية واضحة أو تنسيق مؤسسي. هذا التداخل خلق واقعًا هشًا وعطل قدرة الدولة على اتخاذ قرارات في ملفات الأمن والاقتصاد والعلاقات الخارجية.
في هذا السياق، يمكن قراءة قرارات البرهان الأخيرة كمحاولة ضرورية لإنهاء هذه الحالة، عبر إعادة تعريف من يمتلك سلطة القرار، وتجريد القوى المرتبطة بالتسويات السابقة من النفوذ التنفيذي غير المنضبط. إلغاء إشراف أعضاء السيادي – لا سيما العسكريين – على الوزارات، هو محاولة لإخراج الدولة من قبضة توازنات “الواقع السياسي” وإعادتها إلى أطر الدولة المؤسسية.
نهاية الدور السياسي لكباشي: تراجع الجنرالات عن الواجهة
الجنرال شمس الدين كباشي كان أحد أبرز مراكز القوى داخل السلطة الانتقالية، لا فقط بصفته العسكرية، بل من خلال إشرافه المباشر على وزارات حيوية. لم يكن لهذا الدور سند دستوري، بل تأسس من خلال توازنات ما بعد الثورة ثم ترسّخ خلال فترة ما بعد جوبا. اليوم، يُسحب هذا النفوذ ويُعاد تعريفه كعضوية رمزية في المجلس السيادي، وهو ما ينطبق أيضًا على جنرالات آخرين مثل إبراهيم جابر وياسر العطا.
ما يجري هنا ليس تصفية حسابات داخلية فحسب، بل محاولة لفك الارتباط بين القوة العسكرية والقرار التنفيذي، خصوصًا حين يتحول العسكريون إلى وكلاء لقوى جهوية أو إثنية، ويُستخدمون لعرقلة المسار الإصلاحي للدولة.
نهاية اتفاق جوبا: ضرورة إعادة ضبط المشهد السياسي
من أخطر الاتفاقيات التي شوّهت مؤسسات الدولة السودانية وكرّست لواقع من المحاصصات السياسية الهشة، اتفاقية جوبا للسلام. لقد تحولت هذه الاتفاقية إلى عبء دائم على الدولة، حيث فتحت الباب أمام تقنين الابتزاز السياسي، وكافأت جهات مارست العنف والتخريب ضد الدولة، مثل قتل الضباط وتدمير المنشآت، بالمزيد من التمكين والتسليح.
اليوم، يواجه قائد الجيش عبد الفتاح البرهان عوائق حقيقية في إدارة الدولة بسبب تلك المناصب المحمية باتفاق جوبا، رغم أن أغلب الموقعين عليها انقلبوا على الدولة نفسها، وعلى رأسهم محمد حمدان دقلو (حميدتي) الذي يقود مليشيا الجنجويد القبلية في تمرده العنيف منذ 15 أبريل 2023، إلى جانب شخصيات مثل الهادي إدريس والطاهر حجر ومن المدنيين محمد الحسن التعايشي وآخرين.
في ظل هذه التحولات الجذرية في الخريطة السياسية، وسقوط الالتزامات السابقة من الأطراف الموقعة، لم يعد لاتفاق جوبا أي معنى سياسي أو واقعي. وعليه، فإن التمهيد لإلغائه بات ضرورة وطنية، مع إلزام الحركات بالعودة إلى مناطقها الأصلية في دارفور والتقيّد بالحدود التي يفرضها الواقع الجديد. وإن قوبل هذا التوجه بالرفض أو التمرد، فستكون نهايتهم حتمية، بل وأسرع من نهاية الجنجويد، مما سيعبد الطريق نحو قيام الدولة الجديدة بحدودها الواضحة ومشروعها الوطني المرتكز على السيادة لا الابتزاز.
د. كامل إدريس: إنعاش الدولة السودانية
تعيين الدكتور كامل إدريس، المعروف بخلفيته القانونية الدولية، يشير إلى رغبة واضحة في استدعاء شخصية وظيفية لإعادة هيكلة الجهاز التنفيذي. إدريس ليس زعيمًا سياسيًا، ولا يحمل مشروعًا أيديولوجيًا، بل يمثل خيارًا وظيفيًا يحظى بقبول دولي ويمكن استخدامه لإعادة السودان للمجتمع الدولي، وتحسين صورة السلطة للخارج.
اللافت أن تعيينه قوبل بترحيب خارجي كبير، خصوصًا من الاتحاد الإفريقي وبعض الدوائر الغربية، في إشارة إلى أن المجتمع الدولي يراقب التحول الجاري بوصفه فرصة لإعادة هندسة السلطة في السودان.
اقرأ ايضا: الخطر القادم : ميليشيات الحركات المسلحة الدارفورية
إعادة التموضع السياسي: تكتيك الخروج من مأزق القوة
ما يجري في السودان لا يمكن فهمه فقط كمجموعة قرارات إدارية، بل كعملية إعادة تموضع سياسي داخل مشهد تتعذر فيه الانتصارات الكاملة أو الحسم المباشر. فبعد أكثر من عام على الحرب، وجدت المؤسسة العسكرية نفسها في موقع غير نهائي: لم تهزم الدعم السريع بشكل قاطع، لكنها نجحت في تحجيمه واحتوائه ضمن حدود معينة اسمتها “المناطق التي تقبل بهم” وتثبيت بقاء الدولة السودانية، مرحبة بأي حوار يلزم المتمردين بالبقاء في مناطقهم في الحد الادنى وهو ما يعني حسب مراقبين التمهيد لحل الدولتين.
في هذا السياق، يصبح المسار السياسي خيارًا عقلانيًا ومطروح دائما لإعادة ضبط المشهد وذلك بالطبع بعد تحجيم دور التمرد وافقاده القدرة على القتال بشكل نهائي. ويجب ايضا بشكل موازي إبعاد شركاء الماضي، وتجميد نفوذ بعض الجنرالات، واستخدام شخصية تكنوقراطية لتجميع النظام التنفيذي تحت قيادة واحدة، كلها أدوات لإنتاج سلطة مركبة يمكنها التقدم خطوة دون خسارة الورقة السياسية أو العسكرية.
تأمين العمق قبل التقدم: معركة كردفان كأولوية استراتيجية
في ظل احتدام المعارك غرب السودان، تبرز الحاجة إلى إعادة ترتيب أولويات الانتشار العسكري، بحيث تنتقل العمليات إلى شمال كردفان، مع اتخاذ مدينة الأبيض قاعدة متقدمة للتحرك نحو الخوي والنهود. هذه المناطق تمثل العمق الحيوي لأي تحرك باتجاه دارفور، وتجاهلها يترك الظهر مكشوفًا لقوات الدعم السريع والمليشيات المتحالفة معها.
بعد تحرير غرب كردفان يجب الانطلاق لتحرير النهود ومنها تمتد العمليات باتجاه الفولة، لتأمين الطريق إلى بابنوسة وفك الحصار عنها، وفرض السيطرة على الممرات الخلفية التي يعتمد عليها العدو في الإمداد والتموين. بهذه الطريقة، يُخلق طوق دفاعي فعّال يحمي الحدود الغربية المتاخمة لمناطق وحواضن القوات والمجتمعات المتمردة من أي اختراق محتمل ويؤمن خطوط الإمداد للجيش.
بعد تثبيت هذه الجبهات، يمكن التفكير في التقدم نحو الفاشر أو الضعين من موقع قوة. أما القفز مباشرة نحو دارفور دون تأمين هذا العمق، فهو مجازفة استراتيجية قد تؤدي إلى التفاف خطير على القوات، وإجهاض أي انتصار قبل اكتماله.
خاتمة: بين تحييد المراكز وتثبيت الدولة السودانية
في لحظة فارقة كهذه، يبرز السؤال الحاسم: هل تنجح الدولة، ممثلة في الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في تحييد مراكز القوة الموازية داخل السلطة، وتثبيت دعائم حكم فعّال يقود نحو استقرار حقيقي؟ أم أن دوائر النفوذ القديمة ستظل تعيد إنتاج نفسها، وتُفرغ قرارات التعيين ونزع الصلاحيات من مضمونها؟
المعركة لم تعد فقط في جبهات القتال، بل أيضًا في كيفية إدارة الدولة من الداخل. فالمضي قدمًا في استراتيجية تحرير المناطق يتطلب عقلًا استراتيجيًا لا يرضخ للابتزاز السياسي، ولا يقفز إلى معارك كبرى في دارفور دون تأمين المناطق الخلفية. وأي تسرّع أو تراجع عن الخطوات التي بدأت مؤخرًا سيعيد إنتاج الفوضى السابقة، ويبدد فرصة نادرة لإعادة ضبط مركز القرار.
الاختبار الحقيقي إذن ليس في عدد المناطق المُحررة، بل في قدرة السلطة على الالتزام بخط واضح: تحرير الأرض، وتحرير الدولة من داخلها في الوقت ذاته.
