منذ صعوده إلى رأس السلطة في السودان عقب سقوط نظام البشير في 2019، بدا عبد الفتاح البرهان كجنرال بلا بوصلة، يتخذ قرارات كارثية تحت غطاء التوازنات السياسية، لكنه في كل مرة يخرج بخسائر جسيمة على حساب ما تبقى من مؤسسات الدولة .
لم يكن البرهان يومًا مشروع قائد وطني؛ بل كان في جوهره نتاج عقل أمني هش، يبحث عن النجاة لا القيادة، وعن إرضاء الخصوم لا حسم الفتن. تهاونه في وجه تمدد الدعم السريع، ورضوخه لاحقًا لضغوط الحركات المسلحة، وغيابه التام عن حماية مصالح أبناء شمال ووسط وشرق السودان ، يضعه بوضوح في خانة الخصوم لا الحلفاء.
تمكين الدعم السريع: البداية الخطأ
أحد أكبر أخطاء البرهان وأكثرها تكلفة تمثل في اعتماده المفرط على قوات الدعم السريع، وإضفائه عليها شرعية سياسية وأمنية غير مستحقة. فبعد سقوط البشير، لم يُفعّل الجنرال أجهزة الدولة ولا أعاد ترتيب صفوف الجيش الوطني، بل أوكل المهام الأمنية لميليشيا كانت تتربص بالدولة من الداخل، وتنظر بعين الريبة لكل من هو “جلابي” أو يمثل امتدادًا للدولة المركزية.
تساهل البرهان مع تغوّل الدعم السريع وصل ذروته حين غضّ الطرف عن استهداف ضباط الجيش المنحدرين من شمال السودان، تحت لافتة محاربة “الكيزان”، في حين كان واضحًا أن عمليات الإقصاء والاستهداف تمس طيفًا أوسع من الضباط الوطنيين. كان هذا التفكيك الممنهج للدوائر الأمنية الشمالية يتم على مرأى من البرهان وصمته، إن لم يكن رضاه.
حل هيئة العمليات: تفكيك الحصانة الأمنية
من أبرز القرارات التي تُظهر تهوّر البرهان وضعف نظرته الاستراتيجية، كان حل هيئة العمليات التابعة لجهاز الأمن والمخابرات الوطني. الهيئة التي كانت تشكل قوة ضاربة متقدمة في أي مواجهة محتملة، تم إلغاؤها على خلفية أحداث تم تضخيمها إعلاميًا. لكن النتيجة كانت واضحة: فراغ أمني استثمره حميدتي بذكاء، فملأ الساحة وتمدّد، بينما اكتفى البرهان بإدارة الأزمة من خلف المكاتب.
التماهي مع مشاريع السودان الجديد
أسوأ ما فعله البرهان لاحقًا كان فتح الباب واسعًا أمام الحركات المسلحة، ليس فقط بدعوى السلام، بل باعتبارها شريكًا في الحكم و”صاحبة حق” في الدولة. هذا المسار، الذي بدأه منذ اتفاق جوبا، مثّل كارثة سياسية. لقد أتى بأشخاص يحملون عداءً تاريخيًا للمركز، وأغلبهم لا يؤمن حتى بفكرة السودان الموحد، ولا يخفي حلمه بسودان جديد يزيح المكون النهري فيه إلى الهوامش.
خلال الحرب، شاركت هذه الحركات في كسر الصندوق القتالي وإجهاض الجهد العسكري من الداخل، بينما التزمت النخب السياسية الصمت، بدوافع “قومية” زائفة. هذا الجبن السياسي غذّاه البرهان نفسه، إذ لم يجرؤ على مساءلة هذه الحركات، وتركها تفرض شروطها في الميدان وفي قاعات التفاوض.
تجاهل التحذيرات المحلية والإقليمية… والنتيجة كارثية
قبل اندلاع الحرب، لم تكن التحذيرات محصورة في الدوائر الأمنية السودانية وحدها؛ بل امتدت لتشمل مراكز بحث واستخبارات إقليمية، خاصة تلك المعنية بأمن القرن الإفريقي. كانت كل المؤشرات تشير إلى أن الدعم السريع لا يبني مجرد قوة موازية، بل يُعدّ العدة لحسم الصراع مع الجيش. تقارير متعددة حذرت من تغلغل قوات حميدتي داخل العاصمة، ومن تخزينه السلاح وتوسيع تجنيده حتى بلغ تعداد قوته أكثر من 120 ألف مقاتل بحلول مطلع 2023.
ورغم ذلك، ظل البرهان يردد عبارته المضللة: “الجيش والدعم السريع من رحم واحدة”، رافضًا حتى فكرة الاستعداد للمواجهة أو المبادرة بحسم التهديد. ترددُه لم يكن عن حكمة، بل عن خوف واضح من تبعات اتخاذ القرار. وقد كان هذا التردد هو الثغرة التي دخل منها الدعم السريع، ليضرب في قلب الخرطوم، بعد أن بات منتشراً فيها بمباركة التواطؤ والصمت.
وما أشبه اليوم بالأمس. فبعد أن وقعت الكارثة، وبدلاً من إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة وهيبتها، يمضي البرهان في الطريق ذاته، مكررًا ذات الخطأ لكن بأدوات جديدة. الحركات المسلحة، التي دخلت الخرطوم على ظهر اتفاق جوبا، أصبحت اليوم تُعيد تموضعها كقوة مدنية تفرض شروطها السياسية. وزراء محسوبون على هذه الحركات يستولون على مفاصل حساسة في الدولة، ويسعون علنًا للسيطرة على وزارات سيادية مثل المالية والمعادن، مدفوعين بذات الروح التي حملت حميدتي من صحراء دارفور إلى قلب الدولة.
لقد كان التمكين الأول لحساب الدعم السريع، وهو ما أشعل الحرب. واليوم نشهد تمكينًا جديدًا، تُرسم ملامحه على يد الحركات المسلحة، بينما يقف البرهان متفرجًا، أو بالأحرى شريكًا بالصمت والضعف. وبين الاثنين، تضيع هيبة الدولة، وتُجهز على بقايا السودان القديم باسم اتفاقات السلم، وهي في حقيقتها مشاريع حرب مؤجلة
غياب التمثيل الشمالي والتهميش السياسي
رغم أن الإقليم الشمالي قدّم أكثر من غيره من الشهداء والتضحيات، لم يجد من يمثله في مجلس السيادة الأخير، في خطوة اعتبرها كثيرون طعنة متعمدة من البرهان، الذي اختار أن يُرضي الحركات المسلحة وإقليم دارفور، ويسترضي الوسط والشرق عبر تمثيل رمزي بنساء لا سند لهن في مجتمعهن.
تجاهل القيادات الأهلية التاريخية، واستبعاد أهل الشمال من صناعة القرار، لا يمكن تبريره بالظروف السياسية. هو امتداد لموقف داخلي متجذر لدى البرهان، يرى الشماليين كمصدر تهديد، لا كحلفاء. بهذا المنطق، لا غرابة أن يجد أبناء الشمال أنفسهم اليوم بلا سند سياسي، في معركة وجودية فرضت عليهم دون اختيار.
ختاما عبد الفتاح البرهان لم يكن مجرد جنرال ضعيف؛ بل كان عنوانًا لمرحلة من الانهيار المنظم، شارك فيها بتواطئه، وسكوته، بل بقراراته المباشرة. تاريخه منذ 2019 ليس فقط سلسلة من الأخطاء، بل سجل حافل بتهميش شمال ووسط وشرق السودان ، وتمكين أعدائه من أصحاب مشاريع السودان الجديد ، وتفكيك المؤسسات الوطنية. وهو اليوم، رغم كل ما حدث، لا يزال يراوغ، لا ليقود المعركة، بل ليحجز له مقعدًا في صفقة ما.
اقرأ ايضا: جوبا وسيرة الخراب الثانية: عندما يصبح الاتفاق إعادة إنتاج للحرب
