في ظل ما تعيشه السودان من نزاع دموي مدمّر، تتسع دوائر المعاناة لتشمل ليس فقط من هم داخل البلاد أو اللاجئين خارجها، بل تمتد إلى السودانيين المقيمين في دول الخليج، الذين باتوا عالقين بين جفاء الوطن، وتعقيدات بيروقراطية تمنعهم من رؤية أسرهم اللاجئة في مصر، في غياب شبه تام للدور الرسمي السوداني.
حين يصبح اللقاء امتيازًا مكلفًا
بعد اندلاع الحرب، اختارت آلاف الأسر السودانية مصر كملاذ آمن نسبيًا، لكن هذا الملاذ تحوّل إلى سجن مفتوح بالنسبة للآباء والأبناء المفصولين قسرًا عن بعضهم. فبدل أن يكون لقاء الأسرة بديهية إنسانية، أصبح حلمًا بعيد المنال بفعل ما يُعرف بـ”الموافقة الأمنية”، التي تفرضها السلطات المصرية على الذكور السودانيين من فئات عمرية معينة.
الحصول على هذه الموافقة تحوّل إلى معركة بحد ذاتها، إذ لا تُمنح بسهولة، بل بات الحصول عليها يتم غالبًا عبر وسطاء مقابل مبالغ تصل إلى 2500 دولار للفرد، في ظل غياب آلية شفافة أو إجراءات واضحة. هذه التكاليف تُثقل كاهل المغتربين، خصوصًا من ذوي الدخل المحدود، الذين يعجزون عن دفع هذا الثمن من أجل “حق الزيارة” فحسب.
عبور مصر : شروط مُجحفة.. وعبور شبه مستحيل
ولا تقف المعضلة عند الموافقة الأمنية، بل تُضاف إليها جملة من الشروط التي تعقّد عملية التقديم بحد ذاتها، أبرزها:
- ان تكون مدة إقامة المقيم في الخليج المتبقية أكثر من 6 أشهر.
- أن تكون صلاحية جواز سفره لا تقل عن 6 أشهر.
- أن يحمل تذكرة ذهاب وعودة مؤكدة، رغم أن السفر لزيارة أسرة وليس بغرض السياحة.
- أن تكون تأشيرة خروجه من دولة الإقامة صالحة لأكثر من 3 أشهر، في حين أن بعض الشركات لا تمنح سوى شهرين.
مجتمعة، تجعل هذه الشروط من اللقاء الإنساني مهمة شبه مستحيلة، بل إنها تدفع بالبعض إلى التخلي عن فكرة الزيارة تمامًا. الأسوأ أن الموافقة لا تصدر غالبًا، حتى مع استيفاء الشروط، ما يزيد من وطأة القهر النفسي.
رفض غامض بعد انتظار طويل
الانتظار الطويل للحصول على رد – الذي قد يمتد لأكثر من ثلاثة أشهر – ينتهي في الغالب بالرفض، دون توضيح للأسباب. وهذا الغموض يجعل مقدّم الطلب حائرًا: هل السبب أمني؟ أم خلل في الأوراق؟ أم مجرد رفض اعتباطي؟
وتنص الإجراءات على مرور ستة أشهر بين إقامة وأخرى لتكرار التقديم، ما يعني أن السوداني في الخليج لا يستطيع التقديم أكثر من مرتين سنويًا، وفي كل مرة يُراهن على المجهول.
شبكات نصب تستغل الحاجة
وسط هذه الفوضى، تنشط شبكات احتيال تدّعي قدرتها على استخراج الموافقة الأمنية في وقت قياسي، مقابل مبالغ مالية طائلة. كثير من السودانيين وقعوا فريسة لهذه العصابات، التي تختفي بعد قبض الأموال، في ظل غياب أي رقابة أو تحذيرات من الجهات الرسمية السودانية أو المصرية، ما يترك الضحايا دون حماية أو إنصاف.
معضلة اصطحاب الأسرة من مصر
حتى من يفكر في حل بديل، كإحضار أسرته من مصر إلى الخليج، يواجه عقبات لا تقل تعقيدًا. ارتفاع أسعار التذاكر، وتكاليف الإقامة، وتعقيدات تأشيرات الزيارة، تجعل من لمّ الشمل عبئًا ماليًا وإداريًا هائلًا.
كما أن الأبناء الزائرين لا يستطيعون الالتحاق بالمدارس الخليجية، إما بسبب ضعف الاعتراف بشهادات السودان ما بعد الحرب، أو لأن تأشيرة الزيارة لا تخوّل التعليم النظامي، مما يحرمهم من حق التعليم. والأسوأ، أن العائلة إذا غادرت مصر، فقد لا تتمكن من العودة إليها مجددًا دون موافقة أمنية جديدة، ما يجعل قرار المغادرة مغامرة غير محسوبة العواقب.
الغياب الكامل للدور الرسمي
رغم حجم المعاناة، لم تبادر الحكومة السودانية – لا عبر وزارة الخارجية ولا السفارات – بأي خطوة ملموسة للتعامل مع هذه الأزمة الإنسانية. لا جهود دبلوماسية تُذكر، ولا تنسيق مع الجهات المصرية لتسهيل الإجراءات، ولا حتى تواصل حقيقي مع الجالية المتضررة.
هذا الغياب يفاقم الإحساس بالعزلة لدى السودانيين، الذين يرون أن دولتهم قد تخلت عنهم في أدقّ لحظات الحاجة، في حين تستمر النخب الرسمية في ممارسة دور المتفرج.


صرخة إنسانية وضرورة تحرّك فوري
إن ما يمر به السودانيون في الخليج، وهم يلهثون وراء حق بسيط كزيارة أسرهم، يُمثل انتهاكًا واضحًا للكرامة الإنسانية. لا يجوز أن يُترك المواطن عُرضة للابتزاز أو العزلة بسبب قوانين غير شفافة، أو اشتراطات بيروقراطية تعجيزية.
وعليه، فإن المطلوب اليوم هو تحرّك عاجل:
- من الحكومة السودانية: عبر فتح قنوات تفاوض فوري مع السلطات المصرية وتسهيل الإجراءات بالتنسيق القنصلي.
- من السلطات المصرية: بمراجعة سياساتها تجاه اللاجئين السودانيين ومراعاة البُعد الإنساني في ظل الحرب الجارية.
- من المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية: لتسليط الضوء على هذه المعاناة، والضغط من أجل معالجات عادلة تحفظ كرامة الإنسان السوداني.
أصبحت الحاجة ملحة لتحرك شعبي ودولي للضغط على الحكومتين السودانية والمصرية لإيجاد حل لهذه الأزمة. لا يُعقل أن يبقى الأب ممنوعًا من رؤية أطفاله، أو الزوج عاجزًا عن لقاء زوجته، أو الشاب محرومًا من السفر بسبب شروط بيروقراطية مجحفة ومبالغ ابتزازية لا أساس قانوني لها.
المطلوب اليوم ليس فقط تسهيل الإجراءات، بل احترام الحد الأدنى من الحقوق الإنسانية للمواطن السوداني أينما كان.
فهل من مستجيب؟
اقرأ ايضا: هل كان جون قرنق وحدوياً أم انفصالياً ؟ سردية الزيف والانتهاك
