في الثامن عشر من أغسطس عام 1955م، أي قبل أشهر معدودة من خروج المستعمر البريطاني وإعلان استقلال السودان، شهدت مدينة توريت وعدد من مدن الجنوب السوداني واحدة من أبشع الأحداث الدامية في تاريخ البلاد. فقد تمردت وحدات من الفرقة الاستوائية بالجيش السوداني، وارتكبت مذابح جماعية استهدفت الشماليين من المدنيين والعسكريين على حد سواء، رجالاً ونساءً وأطفالاً. كان ذلك اليوم إيذاناً ببداية الشرخ العميق في العلاقات بين الشمال والجنوب، وهو الشرخ الذي تحوّل لاحقاً إلى حرب أهلية طويلة، أزهقت أرواح مئات الآلاف وأهدرت موارد السودان لعقود.
تمرد توريت: من جريمة دامية إلى “عيد وطني”
مرت تلك الأحداث عقوداً في طيّ النسيان، تُذكر فقط في سجلات التاريخ السوداني باعتبارها “المذبحة الأولى” التي دشنت دائرة الدم بين الشمال والجنوب. غير أن الحركة الشعبية لتحرير السودان، وبعد توقيع اتفاقية نيفاشا 2005م، أعادت إحياء ذكرى التمرد تحت مسمى جديد هو “يوم قدامى المحاربين – The Veterans Day”.
لقد قدّمت قيادة الحركة الشعبية، وفي مقدمتها الفريق أول سلفا كير ميارديت، ذلك التمرد الدموي باعتباره لحظة تأسيسية في “تاريخ التحرير”، بل واعتبرت الذين تورطوا في ذبح الشماليين “أبطالاً”. وجاءت خطابات القيادات الجنوبية في الاحتفالات الرسمية مليئة بمفردات تمجيد الدم، مثل تصريح رئيس الأركان جيمس كوت بأن “الذين حاربوا الثورة الأولى مستخدمين العصي والحراب والصخور هم الأبطال الحقيقيون”.
بهذا الفعل، لم تكتف الحركة الشعبية بإعادة كتابة تاريخ البلاد على مقاسها الأيديولوجي، بل حولت ذكرى الإبادة إلى رمز وطني يحتفى به، في استفزاز مباشر لمشاعر الشماليين الذين ظلوا ينظرون إلى ذلك اليوم بوصفه يوماً أسود في ذاكرتهم الجمعية.
الأبعاد العنصرية في خطاب النخبة الجنوبية
الأخطر من مجرد الاحتفال بذكرى التمرد هو ما تكشفه التصريحات الصادرة عن بعض مثقفي الجنوب ونخبته السياسية. فنيال بول، رئيس تحرير صحيفة سيتزن، ذهب إلى حد القول بأن “قدامى المحاربين قضوا على الاستعمار المحلي وعلى سياسات شعب سودان الله”، وهو تصريح يشي بشحنة عنصرية دفينة، إذ يُصور الشماليين كـ”مستعمر محلي” لا يختلف في شيء عن المستعمر الأجنبي.
وفي مواقف أخرى، عبّر نيال بول عن كراهيته للغة العربية بوصفها “لغة المستعمر”، في نزعة صريحة لشيطنة الثقافة العربية-الإسلامية في السودان وربطها حصراً بالقمع والاستبداد. هذه الخطابات لا تعكس مجرد اختلاف سياسي أو تاريخي، بل تكشف عن توجه أيديولوجي ممنهج لإعادة إنتاج “الآخر الشمالي” باعتباره عدواً أبدياً ومجرماً بالضرورة، مهما كانت الوقائع التاريخية.
المفارقة هنا أن التمرد وقع بينما السودان لا يزال تحت الإدارة البريطانية، أي قبل أن يمارس “الجيش السوداني الوطني” أي سلطة مستقلة على الجنوب. لكن الخطاب الجنوبي اللاحق أعاد تأويل الحدث باعتباره “ثورة ضد قمع الخرطوم”، في تجاهل متعمد للحقائق، وتثبيت لرواية أيديولوجية تعكس نزعة عدائية لا تخطئها العين.
ازدواجية المواقف بين الشمال والجنوب
حين يُقارن المرء بين ما تعرض له الشماليون في الجنوب – من توريت 1955م وحتى حوادث القتل والتهجير اللاحقة – وبين تعامل الشماليين مع الجنوبيين في الشمال، تبرز بوضوح الفجوة الأخلاقية.
فعلى سبيل المثال، حين استشهد الزبير محمد صالح في حادث سقوط طائرة بجنوب السودان، لم يتعرض أي جنوبي مقيم في الخرطوم للأذى، بينما حين قُتل جون قرنق عام 2005م، اندلعت أحداث “الإثنين الأسود” في العاصمة، قُتل فيها العشرات من الشماليين الأبرياء على أيدي غوغاء غاضبين.
هذا التباين يكشف أن خطاب “التعايش” ظل يُمارس عملياً في الشمال رغم جراح الحرب، بينما ظلّت النخب الجنوبية تعيد إنتاج خطاب الكراهية والتحريض على أساس عرقي وثقافي.
توريت كجرح مفتوح في الجسد السوداني
إن ما يؤسف له أن يوماً شهد مذابح جماعية ضد السودانيين الشماليين يُرفع اليوم في جنوب السودان كعيد وطني رسمي، يحتفى فيه بـ”الأبطال” الذين خطّوا بالدم أول سطور حرب طويلة ومدمرة. وبذلك يتحول الضحية إلى جلاد، والقاتل إلى بطل، وتُطمس الحقيقة خلف شعارات التحرير الزائفة.
هذا الوضع يطرح أسئلة صعبة: كيف يمكن لوطن واحد – قبل الانفصال – أن يدرّس لأبنائه تاريخاً متناقضاً إلى هذا الحد؟ وما هو المنهج التاريخي الذي يمكن أن يجمع بين شمال يرى في رموزه الوطنية أبطالاً، بينما يراهم الجنوب “مستعمرين وتجار رقيق”؟ وأي مصالحة يمكن أن تُبنى على ذاكرة مثقلة بالتزييف والتحريض العنصري؟
ختاما ، لقد كان تمرد توريت لحظة تأسيسية لصراع طويل ومكلف، لكنه أيضاً صار مرآة تكشف حجم الهوة بين الشمال والجنوب، ليس فقط على مستوى السياسة بل على مستوى الذاكرة والرواية التاريخية. والاحتفال به اليوم تحت مسمى “يوم قدامى المحاربين” لا يعكس سوى استمرار نزعة الكراهية والعنصرية لدى بعض النخب الجنوبية، نزعة تضع “الشمالي” في خانة “المستعمر” و”المجرم” مهما قدّم من تنازلات أو تضحيات.
إن استدعاء الماضي على هذا النحو لن يقود إلا إلى إعادة إنتاج العداء وتغذية الشقاق. وما لم يتم الاعتراف بالحقائق التاريخية كما هي، بعيداً عن الأيديولوجيا والتحريض، فستظل توريت جرحاً مفتوحاً في ذاكرة السودانين، شمالاً وجنوباً، يذكّرهم بأن الدم حين يُستثمر في خطاب الكراهية، لا يكتب مجداً، بل يرسم طريقاً للدمار المتجدد.
الهوامش والمراجع
لجنة التحقيق الإدارية في حوادث الجنوب (فبراير 1956م). تقرير لجنة التحقيق في تمرد الفرقة الاستوائية.
اقرأ ايضا: أوتشا تدق ناقوس الخطر: 29 مليون نازح في الطريق إلى دارفور ثم النيل


