Site icon الديوان

حول حتمية قيام دولة النهر والبحر : هل من الممكن أن يستمر السودان موحداً؟

السودان

السودان

للإجابة على هذا السؤال فإن أول ما يجب فعله هو دراسة سلوكيات النُخَب الدارفورية ومواقفها من قضايا وحدة السودن والانفصال. بتتبع سريع لهذه السلوكيات، نجد أن موقف النُخب الدارفورية من هذه القضايا يعتمد في الأساس على موقعها من السُلطة ووصولها إلى الموارد المالية. بمعنى أن الوحدة مع دارفور عملياً تقوم على عملية ابتزاز بالتخلّي عن الوحدة.

نماذج توضح التحول في المواقف: حميدتي ومنّاوي

في عام ٢٠٠٨، حينما كان محمد حمدان دقلو (حميدتي) خارج السُلطة وقائداً لحركة ”الجندي المظلوم“ المُتمردة على دولة السودان ، وقّع إعلاناً سياسياً ينص على حق تقرير المصير لإقليم دارفور. لكن لاحقاً أغرته الحكومة بالمال والسلاح ومكّنته من الاستحواذ على مناجم الذهب لمنفعته الخاصة، فغيّر موقفه وأصبح وحدوياً يقاتل حركة العدل والمساواة التي وقّع معها الإعلان السياسي نفسه. كل ذلك لأنه تحول من متمرد خارج الدولة إلى جزء منها يتمتع بسلطتها ونفوذها. وبعد أن تمرد في أبريل ٢٠٢٣، عاد ليتبنّى الانفصال بعدما فقد دعم الدولة المركزية ونفوذها.

أما منّي آركو مناوي، فقد كان انفصالياً حتى ما قبل توقيع اتفاقية سلام جوبا في ٢٠٢٠، وكان يكرر الحديث عن حق تقرير المصير لدارفور وعن الانفصال الوجداني بين دارفور والشمال. لكن بعد توقيع الاتفاقية تغيّرت مواقفه جذرياً ليصبح وحدوياً مدافعاً عن الوحدة دون أن يقدم أسباباً مقنعة لذلك. ويزول الغموض عند قراءة بنود اتفاقية جوبا التي منحت مناوي وحركات الزغاوة امتيازات عديدة مثل السيطرة على الذهب في الشمال، تكوين ميليشيات خارج سلطة الدولة، والحصول على وزارات ومناصب عليا. وهو ما يفسر تغيّر مواقفه، إذ أصبحت مرتبطة باستمرار الامتيازات التي كسبها من الاتفاقية.

الخلاصة: وحدة السودان بين القناعة والمصلحة

من خلال هذه الأمثلة، يتضح أن مواقف النخب الدارفورية من الوحدة والانفصال ليست مواقف أصيلة أو مبدئية، بل تُبنى على أساس المكاسب والمناصب التي توفرها الدولة. فالحركات المسلحة تكون وحدوية حين تنال الامتيازات والموارد، وتتحول إلى انفصالية عند فقدانها. الخلاصة هي أن استمرار السودان موحداً لم يعد ممكناً، ليس لوجود مخطط خارجي لتقسيم البلاد، بل لأن النخب الدارفورية نفسها غير مقتنعة بالوحدة من الأساس. وببساطة، لا يمكنك فرض المواطنة على من لا يريدها ولا يقتنع بها، لأنك لا تملك القدرة اللازمة لفعل ذلك.

اقرأ ايضا: مشروع النهر والبحر .. دارفور تعلن دولتها في نيالا

Exit mobile version