كما كان يوم الزينة لحظة فاصلة بين الحق والباطل حين اجتمع الناس ضحى ليشهدوا مواجهة موسى لفرعون، فإن السودان يعيش اليوم لحظة مشابهة. تحالف “تأسيس”، الذي يضم الجنجويد والحركات المسلحة وبعض القوى السياسية الطريدة، اجتمع على أساس قبلي وعنصري، في محاولة لإيجاد شرعية لجرائمه المستمرة. غير أن هذا التحالف، بوعيه أو بغير وعيه، يقدم خدمة كبيرة لمشروع النهر والبحر الذي ينظر بواقعية إلى مآلات الصراع.
“تأسيس”: هدم السودان القديم وإعادة إنتاج الانقسام
اختار التحالف اسم “تأسيس” ليعلن بوضوح هدفه: تدمير ما يسمونه بـ”السودان القديم” – السودان الذي نشأ بعد الاستقلال في 1956 – بدعوى أنه ظل مختطفاً من نخب مناطقية بعينها. وباسم “السودان الجديد” يسعون لتأسيس دولة على أنقاض القديم، متبنين شعارات من أدبيات الحركة الشعبية ذات النزعة الأفروسنتريك: “سودان قديم يتحطم… سودان جديد يتقدم”. لكن الحقيقة أن هذه الرؤية ليست سوى تتويج لانقسام اجتماعي حاد ظل مشروع النهر والبحر ينظّر عنه و ويشير إلى نتائجه، مؤكداً أن أي وحدة قسرية لم تعد ممكنة وان الانقسام هو نتيجة حتمية للتكوين المختلّ للدولة السودانية.
بين خطابات دقلو وواقع ميليشياته
خرج دقلو بخطاب يدعو فيه لبناء وطن جديد، ويلقي فيه المسؤولية على خصومه. لكن واقعه يكذّبه؛ إذ تُنهك الميليشيات التي يقودها صراعات قبلية داخلية وخطابات جهوية تذكّر ببدايات أزمة دارفور. هذه التناقضات تعكس أن مشروع “تأسيس” لا يحمل رؤية لدولة مستقرة، بل يعيد إنتاج الانقسامات ذاتها. وفي هذا السياق، يبدو مشروع النهر والبحر أكثر واقعية؛ فهو يطرح بديلاً يقوم على وحدة جغرافية واجتماعية متجانسة، بعيداً عن تناقضات الميليشيات.
حكومة دقلو الموازية: خدمة مجانية للنهر والبحر
ما سماه دقلو “حكومة موازية” في غرب السودان ليس سوى خطوة تُسهِّل مهمة مشروع النهر والبحر. فهو عملياً أعلن الانقسام وترك الباب مفتوحاً أمام خيار الدولتين. مشروع النهر والبحر الان لا يحتاج سوى إلى تثبيت خطاب عدم الذهاب غرباً، ليصبح الحل واقعياً: دولتان، إحداهما تقوم على التكوين الاجتماعي المتجانس للنهر والبحر، والأخرى رهينة لتناقضات الميليشيات في الغرب.
الحشود الجماهيرية: مرآة الانقسام
الحشود التي خرجت دعماً لـ”تأسيس” تعكس قبول مجتمعات الغرب بمشروعها. هذه المشاهد تؤكد طرح النهر والبحر: أن الشرخ الاجتماعي قد أصبح حقيقة واقعة، وأن استمرار الحديث عن “شعب واحد” أو “قومية جامعة” لم يعد سوى خطاب دعائي بعيد عن الواقع. وان التمرد في الاساس هو تمرد قبائل ومجتمعات وليس تمرد عسكري او سياسي.
قد يرى البعض أن الخطوات الأخيرة ستقود إلى سباق تسلح جديد، لكن القراءة الأرجح هي أن الأمور تسير نحو خيار حل الدولتين: اولا: دولة النهر والبحر التي تستند إلى هوية اجتماعية متجانسة. ودولة دارفور القائمة على تحالفات “تأسيس” والتي اساسها قبائل الجنجويد وحركات دارفور المسلحة كالطاهر حجر والهادي ادريس وسليمان صندل اضافة الى عبدالعزيز الحلو وعبدالواحد محمد النور الذي فضل الحياد وبالتالي قبول الأمر الواقع وهو حكومة تأسيس.
هذا الطرح ليس بعيداً عن اللقاءات الدولية الأخيرة، ما يرجّح أن ما يحدث قد يكون جزءاً من تفاهمات إقليمية ودولية غير معلنة.
الفاشر.. الاختبار الأخير
مدينة الفاشر اليوم هي المحطة المفصلية. فإما أن تسقط نهائياً بيد قوات الدعم السريع وحكومة “تأسيس“، وبذلك يكتمل الانفصال واقعياً، أو تبقى ساحة مواجهة حتى الحرب المؤجلة بين مكونات الغرب نفسها. وفي كلا الحالتين، فإن مشروع النهر والبحر يظل الأقرب للتماسك والاستمرارية، مقارنة بمشروع “تأسيس” الممزق داخلياً.
تسير الأحداث نحو كتابة فصل جديد: نهاية السودان القديم وبداية دولتين مختلفتين. برغم الكيد والتربص، ينهض مشروع النهر والبحر كخيار استراتيجي يضمن الاستقرار لشمال ووسط السودان، بعيداً عن تناقضات الغرب وصراعاته. إنه فجر دولة جديدة، تُبنى على أرض صلبة وهوية متماسكة، لتودّع السودان الماضي بلا أسف، وتفتح الباب لمستقبل أوضح.
اقرأ ايضا: السدود كأدوات سيادة: قراءة في مشهد النيل الأزرق بين إثيوبيا وسودان النهر والبحر


تعليق واحد
أين ستكون جبال النوبة من دولة (تأسيس) الجديدة؟