لماذا دائماً ما يفشل الإسلاميون في السودان في استشعار الخطر القادم من الجانب العسكري؟ هل هو وهم وغرور أم نوع من العبودية للعسكر تجعلهم عاجزين عن إدراك مكرهم؟
تشهد الساحة السودانية تغيرات كبيرة وسريعة على الصعيدين السياسي والاجتماعي، تجلّت في تبدّل موازين القوى مع غياب أطراف كانت فاعلة، مثل قوات الدعم السريع والقوى المدنية التي تحالفت معها وشكّلت ما يُعرف بتحالف “تأسيس”، الهادف إلى إنشاء شكل من أشكال الدولة في مناطق غرب السودان الخاضعة لسيطرة تلك القوات. في المقابل، تصاعدت الدعوات “النهرو-بحرية” حتى غدت التيار الأقوى في البلاد، مستندة إلى الغبن المجتمعي الذي ولّدته حرب الخامس عشر من إبريل، فيما ظل الغائب الأكبر هم الإسلاميون في السودان.
بدلاً من أن يأسلموا الجيش عسكرهم الجيش
لقد أفضى طول الاحتكاك بين الإسلاميين في السودان والعسكر إلى فقدانهم ملكاتهم السياسية، فتحوّلوا إلى جنود أكثر منهم ساسة مدنيين. وبدلاً من أن “يأسلموا الجيش” قام الجيش “بعسكرتهم”، فجعلهم وقوداً لحروبه، مستفيداً من أدواتهم التحشيدية والدعائية في حشد الشباب للقتال، ثم التخلّص منهم في أقرب فرصة. فبرغم هذه الفوائد، إلا أن تكلفة وجود الإسلاميين في السودان باهظة سياسياً ودبلوماسياً، خاصة لمن يسعى إلى البقاء طويلاً في السلطة في بيئة إقليمية لم تعد تحتمل أي شكل من أشكال الإسلام السياسي.
ما بين طرفة بن العبد والإسلاميين: رضا أمير وهلاك من مأمن
ظل قائد الجيش عبدالفتاح البرهان يخوض حرباً مفتوحة لا تخفى على أحد، إلا على الإسلاميين في السودان الذين واصلوا إنكارهم لكل الإشارات التي تدل على نهايتهم. تارة يتحدثون عن ترتيبات ذكية لا يفقهها غيرهم، وتارة يصفون ما يحدث بأنه مناورة ستلقي بهم في مركز السلطة، أو يتوهمون أن قوتهم التنظيمية ستجعل العسكر يفكرون ملياً قبل المساس بهم. غير أن ما يفعلونه أشبه بما قاله طرفة بن العبد حين رفض تحذير صديقه المتلمس، وأصرّ على الثقة في الملك عمرو بن هند حتى قاده ذلك إلى الهلاك.
البرهان يسرع اللعبة ويزيدها اشتعالاً
رغم توتر المشهد، إلا أن البرهان أبى إلا أن يزيده توتراً، خاصة بعد التسريبات التي أكدت لقاءه في سويسرا بمسعد بولس، المستشار الأول للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب. اللقاء، وإن بدا عادياً في ظاهره، إلا أن ما تلاه من تغييرات واسعة في بنية الجيش ـ شملت حتى هيئة الأركان ـ أثار شكوك المحللين حول نوايا البرهان، بين من يرى أنها تمهيد لإحكام قبضته، وبين من يعتبرها خطوة لإقصاء عناصر محسوبة على الإسلاميين. المدهش أن الإسلاميين في السودان ظلوا ساكنين، وكأنهم ينتظرون دورهم ككبش فداء في سبيل بقاء البرهان فترة أطول، وربما كرتَه الأخير للعودة إلى حضن قوى التغيير.
وزاد من تعقيد المشهد أن تقارير أخرى أكدت لقاءً مشابهاً بين مستشار الرئيس الأمريكي وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي). فهل يعني ذلك أن التهدئة باتت مطروحة، وأن البلاد على أبواب اتفاق يقضي بفصل الدولتين، ثم وقف التصعيد وإطلاق النار؟ لا أحد يملك جواباً قاطعاً، لكن المؤكد أن البرهان يتحرك بسرعة غير مسبوقة، فيما يظل الإسلاميون في السودان بلا مشروع واضح.
الحركات المسلحة: مراقب صامت بانتظار الفرصة
على الجانب الآخر، عززت الحركات المسلحة مواقعها في مؤسسات الدولة، مفضلة المراقبة وانتظار مآلات الصراع. فبحسب التسريبات، مكانها محفوظ في أي مساومة مع الأمريكان، بوصفها طرفاً موقعاً على اتفاق سلام، حتى وإن كان ذلك الاتفاق باطلاً لغياب القوى الأساسية الأخرى كـ”قوى الحرية والتغيير” و”قوات الدعم السريع”. ويبدو أن الابتزاز المبكر الذي مارسته منحها وزناً سياسياً، ورسالة البرهان بعدم المساس بها أكدت ذلك، في وقت ظل فيه الإسلاميون في السودان خارج دائرة الاهتمام الدولي.
خاتمة
إن الحركة المكوكية للبرهان بين القواعد العسكرية، ولقاءاته الخارجية، والقرارات الأخيرة ـ من تبعية القوات المساندة للقوانين العسكرية، إلى موجة الإحالات والترقيات ـ تشير كلها إلى أنه يسعى لإحكام قبضته تمهيداً لتغيير كبير في الساحة السياسية. وكل هذه المؤشرات تؤكد أن الإسلاميون في السودان في خطر داهم. فهل سيستشعرون هذه المرة الخطر قبل فوات الأوان، أم سيظلون أسرى ثقتهم العمياء في “أميرهم”، حاملين كتبهم في أيديهم، إلى أن يكتشفوا الحقيقة بعد أن ينغلق عليهم الباب الأخير؟
اقرأ ايضا: توريت : مجزرة دامية للشماليين تحولت لعيد وطني لجنوب السودان

