في السودان تشهد الساحة السياسية تصاعدًا ملحوظًا في حدّة التوتر بين المؤسسة العسكرية والحركات المسلحة، في ظل سعي القيادة العسكرية إلى إعادة رسم موازين القوى، من خلال تقليص نفوذ هذه الحركات، التي باتت تُنظر إليها في دوائر الحكم كـ”تهديد موازٍ” للأمن الوطني، ومعوّق أساسي لمسار الانتقال السياسي.
وفي خضم هذه الأجواء المضطربة، يبرز موقف رئيس الوزراء المعيّن، السيد كامل إدريس، الذي يتمسّك بالحصول على صلاحيات تنفيذية واسعة تُمكّنه من اتخاذ قرارات حاسمة، خاصة فيما يتعلق بتشكيل الحكومة وإدارة المرحلة الانتقالية. وتشير مصادر مطلعة إلى أن إدريس لا يستبعد خيار الاستقالة إذا ما تعرّض لضغوط تمسّ استقلالية قراره، لا سيما في ما يتعلق بعلاقته بالحركات المسلحة ومحاولات احتوائه أو تطويع منصبه لخدمة أجندات معينة.
عودة جبريل إلى المالية: نجاح لابتزاز الدولة
في هذا السياق، أثارت عودة جبريل إبراهيم إلى منصبه وزيرًا للمالية في حكومة الأمل في السودان جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والشعبية، حيث اعتُبرت خطوة تعكس رضوخ الدولة لضغوط قوى مسلحة. فقد سبق لجبريل أن لوّح بالانسحاب من الحكومة ما لم تُلبَّ مطالب حركته (العدل والمساواة)، ليعود لاحقًا إلى موقعه التنفيذي، رغم الأداء الاقتصادي المتعثر والانتقادات المتكررة التي وُجهت إليه.
هذا التطور فُسِّر على نطاق واسع بأنه تكريس لنهج الابتزاز السياسي بالسلاح، وخرقٌ لمبدأ الكفاءة في تولي المناصب السيادية، مما يعمّق من أزمة المحاصصة، ويُضعف من قدرة الدولة على فرض قراراتها بعيدًا عن التهديد أو الابتزاز.
استنساخ تكتيك الابتزاز في السودان: من الجنجويد إلى حركات دارفور
من أخطر ما أفرزته التجربة السياسية السودانية في العقدين الأخيرين هو استنساخ تكتيك الابتزاز عبر السلاح. فقد بدأ هذا النهج بوضوح مع قوات الدعم السريع (الجنجويد سابقًا)، التي فرضت وجودها السياسي والعسكري بالقوة، وانتزعت مواقع سيادية وامتيازات ضخمة دون المرور بالمؤسسات أو الاحتكام إلى صناديق الاقتراع.
اليوم، تتّبع بعض الحركات المسلحة في دارفور النهج ذاته، مستفيدة من اتفاق جوبا للسلام كأداة تفاوض وضغط دائم. فهي تُلوّح بالانسحاب من العملية السياسية أو بالتصعيد العسكري إذا لم تُمنح حصصًا في السلطة أو امتيازات اقتصادية. هذا النمط يُفرغ العملية الانتقالية من مضمونها، ويحوّلها إلى تفاهمات قسرية بين مجموعات مسلحة، تعتمد التهديد لا التوافق، والضغط لا الشراكة.
مقاربة قاتلة: تطابق الوسائل، وتشابه المآلات
تُظهر المقارنة بين تجربتي الدعم السريع وحركات دارفور تطابقًا مقلقًا في الوسائل: الضغط المسلح، الابتزاز السياسي، وتوظيف السلاح لتحقيق مكاسب سلطوية. وإذا كانت تجربة الجنجويد قد انتهت إلى حرب مدمّرة تهدد بقاء الدولة نفسها، فإن تكرار ذات التكتيك من قبل فصائل أخرى يعني بالضرورة سير البلاد نحو المأساة نفسها، ولو بأسماء مختلفة.
فمنطق “من يملك السلاح يملك القرار” أصبح هو القاعدة الحاكمة، فيما يتراجع مفهوم الدولة ليغدو مجرد وسيط هشّ بين كيانات مسلحة تتقاسم النفوذ. استمرار هذا النموذج يُقوّض فكرة الدولة المدنية، ويكرّس ثقافة “التمرد المجزي”، التي تُفرغ مؤسسات الحكم من معناها، وتُهدد أي مشروع لبناء سودان مستقر.
الانعكاسات المحتملة على المسار الانتقالي في السودان
أي استقالة محتملة لرئيس الوزراء ستكون ضربة مباشرة لهشاشة الترتيبات الانتقالية، وقد تُفهم خارجيًا كمؤشر على تغوّل العسكر على السلطة المدنية. وهو ما سيُعزز من الانطباع الدولي بأن السودان يسير نحو حكم استبدادي، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات سلبية على العلاقات الخارجية، وتعقيد جهود إعادة الاندماج في المجتمع الدولي، بما في ذلك العودة إلى المنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الإفريقي.
ختاما في ظل هذه المعطيات المتداخلة والمعقّدة، يبدو أن مستقبل الفترة الانتقالية في السودان مرهون بقدرة الأطراف على تجاوز منطق الغلبة والتسويات القسرية، لصالح رؤية سياسية تستند إلى الشراكة والشفافية والمؤسسات. فمغادرة مربع الصراعات لا تتطلب فقط تفاهمات سطحية، بل إرادة وطنية حقيقية لبناء دولة مدنية تُعلّي من مبدأ الكفاءة، وتُحيّد السلاح عن الحياة العامة، وتُعيد الاعتبار لفكرة الوطن الجامع.
اقرأ ايضا: وهم “التمازج التاريخي” بين وادي النيل والهامش: قراءة في لحظة الخطر

