تشير المعطيات السياسية الراهنة في السودان إلى تصاعد ملحوظ في التوتر بين القيادة العسكرية والحركات المسلحة الدارفورية، في ظل سعي المؤسسة العسكرية إلى تقليص نفوذ هذه الحركات التي باتت تُنظر إليها، في دوائر صنع القرار، كـ”غول آخر” يُهدد الأمن الوطني، ويُعرقل مسار الانتقال السياسي نحو الحكم المدني.
وفي هذا السياق، يبرز موقف السيد كامل إدريس، رئيس الوزراء المعيَّن لإدارة المرحلة الانتقالية، والذي يتمسك بضرورة منحه صلاحيات تنفيذية موسّعة تُمكّنه من اتخاذ قرارات حاسمة، لا سيما في ما يتعلق بملف تشكيل الحكومة وإدارة العلاقة مع القوى المسلحة، وعلى رأسها الحركات المسلحة الدارفورية. ووفقًا لمصادر مطلعة، فإن إدريس قد يُلوّح بتقديم استقالته إذا ما تعرّض لضغوط تمس استقلالية قراره السياسي، خصوصًا في ظل ما يراه من محاولات للحد من صلاحياته أو فرض إملاءات خارج إطار التفويض الممنوح له.
وفي خضم هذه التجاذبات، أعادت السلطة الحاكمة مؤخرًا تعيين عدد من الوزراء المنتمين إلى الحركات المسلحة الدارفورية، من بينهم وزير المالية ووزير المعادن نور الدائم، في خطوة وُصفت بأنها استجابة مباشرة لضغوط تمارسها هذه الحركات ضمن معادلة تقاسم السلطة والثروة. وقد اعتبر مراقبون هذه التعيينات امتدادًا لما يرونه “ابتزازًا سياسيًا واقتصاديًا” تمارسه بعض الفصائل المسلحة الدارفورية، مستفيدة من ضعف الدولة المركزية ورغبة المؤسسة العسكرية في كسب ولاءات مرحلية. وتُثير هذه التحركات تساؤلات جدية حول مدى جدية الحكومة في بناء مؤسسات مدنية فعالة تقوم على الكفاءة والمحاسبة، لا على المحاصصة والتوازنات الهشة.
ويُحذّر محللون من أن استمرار هذه المعادلة القائمة على الرضوخ لضغوط السلاح سيُقوّض فرص بناء دولة القانون والمؤسسات، ويُكرّس حالة اللادولة، حيث تُصبح المناصب السيادية أداة للمساومة السياسية لا وسيلة لتحقيق مشروع وطني جامع. كما أن هذا الواقع يُعقّد من مهمة رئيس الوزراء نفسه، الذي يسعى لتشكيل حكومة انتقالية قوية ومستقلة، قادرة على إخراج البلاد من أزماتها المركّبة، في مواجهة نفوذ الحركات المسلحة الدارفورية التي تزداد تأثيرًا.
إن أي استقالة محتملة لرئيس الوزراء في هذه المرحلة الدقيقة من الانتقال ستكون لها انعكاسات خطيرة على المشهد السياسي، وقد تُفسَّر على الصعيدين الإقليمي والدولي كمؤشر واضح على تغوّل المؤسسة العسكرية على السلطة المدنية، الأمر الذي سيُعزز الانطباع بأن السودان ينزلق مجددًا نحو الحكم الشمولي. مثل هذا التطور لن يقتصر أثره على الداخل، بل سيُلقي بظلاله على علاقات السودان الخارجية، ويُعقّد مساعيه الرامية إلى إعادة الاندماج في المجتمع الدولي، بما في ذلك استعادة عضويته الكاملة في مؤسسات إقليمية كالاتحاد الإفريقي، التي تضع الحكم المدني كشرط أساسي للتعاون والدعم.
وفي ظل هذه المعادلات الدقيقة، يبدو أن مستقبل الفترة الانتقالية في السودان بات مرهونًا بقدرة الأطراف المختلفة على تجاوز حالة الشد والجذب، والانخراط في عملية سياسية قائمة على الحوار والشراكة الحقيقية، بعيدًا عن منطق الغلبة وفرض الأمر الواقع، الذي أثبت فشله مرارًا في تجارب الانتقال السياسي داخل السودان وخارجه. إذ لا يمكن تحقيق الاستقرار وبناء الدولة دون تفكيك منظومة الابتزاز السياسي، واستبدال منطق التسويات القسرية برؤية وطنية شاملة تُعلي من شأن الكفاءة والمؤسسية، وتعيد الاعتبار للمصلحة العامة فوق الحسابات الفئوية الضيقة، بما في ذلك الحد من هيمنة الحركات المسلحة الدارفورية على مفاصل الدولة.
اقرأ ايضا: الشمال بين الغفلة والتهديد: عداء الهامش ومخططات الإبادة والاستيطان

