بورتسودان تاريخياً مدينة سودانية أصيلة ومن أهم مدن مشروع دولة النهر والبحر، نشأت كواجهة للبلاد على البحر الأحمر، لكنها سرعان ما تحولت إلى أكثر من مجرد ميناء، فأصبحت رئة يتنفس بها السودان. فمنذ بدايات القرن العشرين لعبت دوراً محورياً في ربط الداخل بالخارج، وكانت بوابة رئيسية للتجارة والحركة الاقتصادية، ومنها عبرت السلع والثقافات والأفكار. ومع مرور الوقت صارت بوتقة للتنوع البشري والتعايش بين مختلف الأعراق والقبائل، ما جعلها ركناً ثابتاً في الذاكرة الوطنية ومدينة لا يمكن تجاوزها في أي مشروع لبناء الدولة الحديثة.
بورتسودان بين التاريخ والواقع
لكن هذه المدينة التي حملت إرثاً عريقاً، أصبحت اليوم في قلب الجدل السياسي والأمني بعد انتقال العاصمة الإدارية إليها كخيار اضطراري فرضته ظروف الحرب التي شلت الخرطوم وحولتها إلى ساحة صراع مفتوح. فبفضل موقعها الإستراتيجي على البحر الأحمر وقربها من الموانئ وطرق الإمداد، باتت بورتسودان مركزاً مؤقتاً لإدارة شؤون الدولة، وواجهة للسلطة ومسرحاً للقاءات الدبلوماسية. غير أن هذه الخطوة لم تكن مجرد إجراء تقني، بل حملت أبعاداً سياسية أثارت انقساماً في الرأي العام بين من اعتبرها هروباً من مواجهة جذور الأزمة، ومن رآها محاولة عملية لإنقاذ ما تبقى من مؤسسات الدولة.
ملاذ للمجرمين تحت راية السلطة
المفارقة المؤلمة أن المدينة التي كان يُفترض أن تكون منارة للعدالة والقيم الوطنية، تحولت إلى ملاذ آمن للمجرمين والخونة. فقد صار العفو عن المتورطين في جرائم بحق الوطن والناس أمراً مألوفاً تحت ذريعة عودتهم إلى “حضن الوطن”. وبذلك تضيع حقوق المواطنين بين بطش الماضي وصعود الجناة اليوم إلى مواقع سيادية. وفي حين يُقصى الشرفاء وتُطرد الشخصيات الوطنية النزيهة، يُستقبل أعداء الأمس في بورتسودان استقبال الفاتحين، ليجد المواطن نفسه أمام سؤال مرير: من يقتص لحقوق الضحايا إذا كان “الأمير الجديد هو اللص القديم”؟
تسويات مشبوهة وخداع متواصل
تلوح في الأفق ملامح تسوية سياسية بوجه قديم، عقب لقاءات السلطة مع أطراف دولية وإقليمية. هذه التسوية تُعيد إنتاج الجناة في ثوب وطني جديد يخفي دماء الضحايا ويمنحهم حصانة كاملة. يرافق ذلك تضليل إعلامي متعمد يصور المجرمين كأبطال أو تائبين طاهرين، لتُطمس الجرائم وتُدفن حقوق المظلومين تحت ركام الدعاية والأكاذيب.
صراع الكراسي لا الكرامة
الواضح أن جوهر الصراع لم يعد يدور حول الكرامة أو حقوق الشعب، بل بات مجرد تنافس على الكرسي والسلطة. بينما يرى المواطنون أن نهاية الحرب يجب أن تعني إنهاء المعاناة جذرياً، واسترداد الحقوق، وضمان عدم تكرار المأساة، تنشغل السلطة بصفقات تحفظ وجودها حتى لو كان الثمن هو العدالة نفسها.
خاتمة
إن العدالة والمساواة بين الناس هي الضمان الوحيد لبقاء الدولة. إفلات الأقوياء من المحاسبة هو ما أهلك الأمم من قبل، وهو ما يهدد السودان اليوم بالانزلاق إلى واقع تُهيمن فيه جماعات مسلحة تبحث عن قوتها بعيداً عن دولة لا تحمي سوى المجرمين. بورتسودان التي كانت يوماً بوابة السودان إلى العالم، لا ينبغي أن تتحول إلى مقبرة العدالة، وإلا ستفقد الدولة ما تبقى لها من شرعية أمام شعبها.
اقرأ ايضا: من رحم الأزمة إلى حق تقرير المصير الإداري : دار حمر ومعركة قيام ولاية وسط كردفان

