في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية الحيوية في السودان، تعيش الولاية الشمالية واحدة من أسوأ أزماتها منذ عقود، بعد انقطاع شامل للكهرباء دام لأكثر من ستة أسابيع. لم يكن هذا الانقطاع مجرد عطل فني عابر، بل تحول إلى شلل تام طال القطاعات الزراعية والخدمية والمعيشية، لتنكشف هشاشة الأنظمة الحيوية التي تعتمد على الكهرباء بشكل شبه كلي. وبينما يستمر غياب الدولة عن المشهد، يعاني المواطنون من نقص حاد في المياه، وتلف محاصيلهم الزراعية، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، في وقت ترتفع فيه وتيرة المعاناة اليومية دون أفق واضح للحل.
انقطاع شامل للكهرباء منذ أكثر من 45 يومًا
تعيش الولاية الشمالية في السودان منذ فجر السبت 5 أبريل 2025 في ظلام دامس بعد استهداف محطة كهرباء مروي بطائرات مسيّرة، مما أدى إلى توقف كامل لإمدادات الكهرباء في المنطقة. هذا الانقطاع المستمر، الذي تجاوز الشهر ونصف، تسبب في شلل تام لكافة مناحي الحياة وأعاد المواطنين عشرات السنين إلى الوراء، وسط غياب شبه كامل للدولة وعدم وضوح في أفق حل الأزمة.
أزمة العطش: معاناة يومية بسبب توقف مضخات المياه
تسبّب انقطاع الكهرباء في أزمة مياه خانقة، حيث تعتمد مضخات المياه التي تغذي المدن والقرى بشكل كامل على الطاقة الكهربائية. وتشغيل هذه المضخات عبر المولدات مكلف جدًا، إذ تستهلك المحطة الواحدة نحو 3 براميل من الجازولين يوميًا، أي ما يعادل أكثر من 700 الف جنيه ثلاثة براميل سعرها اثنين مليون ومئة ألف جنيه سوداني يوميًا في ظل ارتفاع أسعار الوقود. دفع ذلك السكان للجوء إلى وسائل تقليدية بدائية مثل “الكواري” (عربات الحمير)، و”التكاتك” لتوفير المياه، حيث بلغ سعر برميل المياه الواحد ما بين 3,000 إلى 5,000 جنيه سوداني.
انهيار الموسم الزراعي الشتوي وتهديد الموسم الصيفي
الضرر الأكبر وقع على القطاع الزراعي، إذ أدى انقطاع الكهرباء إلى توقف تام في مشاريع الري، وهو ما تسبب في فشل شبه كامل للموسم الشتوي الذي شارف على الانتهاء. وأفاد عدد من المزارعين بأن عدد الريّات اللازمة للمحاصيل لم يكتمل، مما سيؤثر مباشرة على جودة وإنتاجية المحاصيل مثل القمح والفول المصري.
كما يهدد استمرار انقطاع الكهرباء الموسم الصيفي المقبل، والذي يعتمد عليه المزارعون في إنتاج الأعلاف وتوفير الغذاء للماشية، وهو ما قد يؤدي إلى أزمة غذائية واسعة النطاق.
قطاع الألبان والرعي في مهب الريح
أدى ارتفاع تكلفة الأعلاف إلى ارتفاع أسعار الحليب ومشتقاته، مع تراجع شديد في الإقبال عليها بسبب غياب التبريد، ما تسبّب في خسائر للرعاة ومنتجي الألبان. ويُشير بعض التقارير إلى أن نسبة تلف الحليب في بعض المناطق ارتفعت إلى أكثر من 60% يوميًا.
اقرأ ايضا: الخطر القادم : ميليشيات الحركات المسلحة الدارفورية
تدمير قطاع البساتين: خسائر بمليارات الجنيهات
تضررت البساتين بشكل مأساوي، خصوصًا تلك التي تنتج الفواكه مثل المانجو والموالح والتمور. وأفاد أصحاب مزارع أن كثيرًا من الأشجار بدأت في الجفاف بسبب توقف الري، ما ينذر بخسارة ضخمة، خاصة وأن إنشاء هذه البساتين يتطلب سنوات طويلة وتكاليف عالية.
وحتى في حال نجاة بعض المنتجات، فإن غياب الكهرباء يمنع حفظها في ثلاجات، مما يؤدي إلى فسادها قبل وصولها للأسواق، وهو ما يهدد هذا القطاع عالي القيمة بالتدمير الكامل.
ارتفاع جنوني في أسعار بدائل الطاقة
مع تفاقم الأزمة، ارتفعت أسعار منظومات الطاقة الشمسية بنسبة 100%، حيث قفز سعر اللوح الشمسي سعة 550 واط من 170 ألف إلى 350 ألف جنيه سوداني. أما “الانفيرتر” – المحول الكهربائي – فقد ارتفع من 700 ألف إلى 1.5 مليون جنيه سوداني، مع تسجيل أسعار أعلى في بعض المناطق.
وتبلغ تكلفة منظومة تشغيل طلمبة مياه واحدة تعمل على الطاقة الشمسية قرابة 17 مليون جنيه، بينما تكلفة حفر بئر ارتوازية وحدها تصل إلى 12 مليون جنيه. الأمر الذي دفع بعض المزارعين لبيع ممتلكاتهم، أو الاستدانة، لإنقاذ مشاريعهم الزراعية، بينما تقف الغالبية العظمى عاجزة بانتظار الحل.
غياب الدولة وانعدام الشفافية
منذ بداية الأزمة، لم تصدر حكومة الولاية الشمالية أو وزارة الطاقة أي تقرير رسمي حول الأضرار، أو مدة انقطاع الكهرباء، أو خطط الإصلاح. كما تغيب الدولة تمامًا عن دورها الرقابي في ضبط أسعار منظومات الطاقة الشمسية، التي تدخل البلاد أصلاً معفاة من الجمارك.
يُتهم تجار وموردو هذه المعدات باستغلال الأزمة لتحقيق أرباح مضاعفة على حساب معاناة المواطنين، وسط صمت حكومي مريب.
اقرأ ايضا: الولاية الشمالية أرض الذهب والسدود في ظلام دامس
أرقام وإحصائيات توضح عمق الكارثة
- عدد المشاريع الزراعية المتضررة: أكثر من 4,000 مشروع، بحسب اتحاد المزارعين المحليين.
- نسبة الفشل في الموسم الشتوي: تصل إلى 70% في محاصيل القمح والخضروات.
- خسائر تقديرية لقطاع البساتين: تتجاوز 15 مليار جنيه سوداني.
- سعر برميل الجازولين في السوق الأسود: وصل إلى 550,000 جنيه.
- نسبة الزيادة في أسعار منظومات الطاقة الشمسية: تجاوزت 100% في معظم الأصناف.
خاتمة: كارثة متعددة الأبعاد في ظل غياب الدولة
الأزمة التي تعيشها الولاية الشمالية ليست مجرد أزمة كهرباء، بل كارثة إنسانية وزراعية تهدد أمن البلاد الغذائي، واستقرار المجتمع المحلي الذي يعتمد على الزراعة كمصدر دخل رئيسي. وفي ظل غياب أي تحرك حكومي فعلي، بات المواطنون وحدهم في مواجهة مصيرهم، فيما ترتفع الأصوات المطالبة بتدخل عاجل وشفاف من الدولة، سواء عبر إعادة التيار الكهربائي، أو توفير بدائل طاقة بأسعار مدعومة، قبل أن تتحول هذه الأزمة إلى مأساة وطنية شاملة.
اقرأ ايضا:
